الجهل بالحقوق والتوعية.. من يتحمل المسؤولية.. الأفراد أم مؤسسات الدولة؟

السبت - 16 سبتمبر 2023

Sat - 16 Sep 2023

تعمل الجهات الحكومية والخاصة على نشر التوعية بحقوق وواجبات أفراد المجتمع، في مقابل تباين في مستوى الاهتمام المجتمعي تجاه هذه البرامج التوعوية.

وفي ظل جهل كثير من أفراد المجتمع بحقوقهم لدى الجهات الرسمية، تتبادر إلى الذهن أسئلة عن دور الجهات في التوعية، وهل ما قدمته من برامج آتت ثمارها بالوصول إلى مختلف شرائح المجتمع أم ما زالت بحاجة للمزيد من الرؤى والاستراتيجيات لتخطي ضعف الاهتمام المجتمعي؟ ومن يتحمل المسؤولية بالدرجة الأولى، هل هو المواطن أم مؤسسات الدولة المعنية والقطاع الخاص؟

حول هذا الموضوع ترصد «مكة» عددا من مشاركات بعض الكتاب وأصحاب الرأي السعوديين.

تحقيق المعرفة.. دور متكامل
«للإجابة على هذا السؤال يجب أن نطرح سؤالا آخر.. هل حقوق المواطن واضحة تماما لدى مؤسسات الدولة والقطاع الخاص؟ وهل هناك مرجعية للمواطن حتى يطلع عليها؟ الإجابة هي نعم هناك قوانين واضحة في كل قطاع من قطاعات الدولة توضح الحقوق والواجبات للمواطن، إنما ليس هناك تفعيل من قبل القطاعات للإشارة إلى تلك الحقوق إلا من قبل قطاعين أو ثلاثة فقط استخدمت أكثر من طريقة في توضيح هذه الحقوق ما بين الطرق المرئية والمقروءة والمسموعة، ولكن بالعودة إلى العنصر الأساسي في تعريف المواطن بحقوقه وهو المواطن نفسه من خلال البحث عما يهمه من تلك الحقوق وفقا لاحتياجاته قبل الانخراط في أمر قد يضعه في مأزق الجاهل.

من جهة أخرى الواجب على كل قطاع أن يبحث عن آلية تجعل من أنظمته ولوائحه مشاعة للعلن وفقا لوسائل الإعلان الجديدة للوصول إلى أكبر قدر من أفراد المجتمع باختلاف شرائحهم ويليهم الإعلام التوعوي التثقيفي الذي نفتقد إليه إلى حد ما على الرغم من وجود قنوات إعلامية مختلفة.
الدور ليس حصريا بل هو متتال يبدأ من الفرد ثم التعريف التخصصي لكل قطاع إلى القنوات الإعلامية حتى تكتمل دائرة المعرفة وتنتفي الجهالة».
إيمان باجنيد

وعي المواطن مسؤوليته
«المعرفة بالأنظمة الحكومية هل هي أمر يجب على هذه الجهات تقديمها للناس، أم يجب على الناس البحث عنها بأنفسهم؟

سؤال مهم يطرح في زمن أصبح الوصول للمعلومة فيه سهلا ومتاحا بشتى الطرق، إما من خلال الجهات نفسها، أو عبر المتطوعين المهتمين بتقديم محتوى مفيد للناس.

شخصيا أجد نفسي ميالا للرأي الثاني، وسأبدأ بالأمور الحياتية، فمثلا: الصلاة، والأكل، والنوم، وممارسة الرياضة، والدراسة، هي من الأمور الأساسية التي يجب على الأسرة تذكير أبنائها بها في مرحلة الصغر، ولكن عندما يصبحون مكلفين، فإنهم لا يحتاجون لمن يذكرهم بها، كونهم يعلمون جيدا أنهم سيجنون فائدتها متى ما قاموا بها، وستنعكس عواقبها عليهم إن أهملوها.

نأتي للمعلومات الرسمية.. قد يصدف أن تقدم جهة ما معلومة مهمة في أي مجال (وهنا الجهة قامت بما عليها من دور)، ولكن لكون المتلقي أثناء تقديم المعلومة لم تصله لأي سبب كان، أو لانشغاله بأمر آخر أكثر أهمية منها، وبالتالي مرت عليه مرور الكرام دون أن تحدث أي أثر لديه، أو لأنها لا تنطبق عليه في هذا التوقيت، وبالتالي تجاهلها لعدم استفادته منها.

ولنأخذ على ذلك ما قامت به وزارة التجارة أخيرا، عندما قدمت معلومات مهمة وعديدة عن التستر التجاري وأشكاله المختلفة، وهي معلومات مهمة ومفيدة إذا ما صادف ذلك رغبتك في طرق باب العمل التجاري، أو لديك أعمال تجارية، ولكن إن كنت مهموما، في هذا التوقيت، ببناء بيت العمر، فالأكيد أن اهتمامك بتعليمات الأمانات وأكواد البناء، والاشتراطات الهندسية، سيلغي كل ما دون ذلك.

أمر آخر، لا يعني تقديم المعلومة لك من الجهة الرسمية تسليمك بها، خذ على ذلك مثلا إذا رغبت بالاقتراض البنكي، فعلى الرغم من «تبرع» البنك بتقديم كافة الوثائق التي تخوله بـ«سحلك» إذا ما تخلفت عن السداد، إلا أن إهمالنا قراءة هذه الاشتراطات المكتوبة بخط صغير جدا، وفي صفحات عديدة، يجعلنا نطرق كل الأبواب بحثا عن حل، متى ما طبق البنك بعضا مما وافقنا عليه طواعية.
وهنا لا يعفينا النظام من الإهمال، ويجبرنا على السداد، وتسجيلنا أيضا في قوائم المتعثرين السوداء.
لذلك أرى أن المسؤولية تقع على عاتق الشخص صاحب الحاجة، فهو المعني بالبحث عن المعلومة، والتدقيق فيها، ومعرفة كيفية الاستفادة منها، وعدم انتظار من يتبرع له بها؛ لأن عواقبها إن حلت هو من سيكتوي بنارها، كما أن فوائدها هو من سيقطف ثمارها».
موفق النويصر

الجهل بالحقوق إهدار للموارد

«وعي المواطن بحقوقه أحد مؤشرات الحوكمة الرشيدة.. والسبب أن وعي الإنسان بالمزايا المتاحة له يزيد حرصه على التمتع بها بما يحقق الأداء الأمثل، أما إذا نقص إلمامه بها فسيقل توجهه إليها وبالتالي ستتقلص استفادة الناس من الخدمات مما يؤدي لإهدار الموارد وانخفاض كفاءة الأداء.

‏ومن هذا المنطلق فإن توعية المواطن بحقوقه من كافة القطاعات أمر حيوي، والتعليم حجر الزاوية هنا في تعليم التلاميذ مفهوم (المواطن المسؤول) وما يتأتى عنه من الحقوق والواجبات، كما أن الإعلام شريك أساسي، فوسائل الإعلام يمكنها مثلا نشر مقالات متخصصة متضمنة لمعلومات ذات جودة عالية في الصحف أو التركيز على خدمات محددة وشرح كيفية استخدام الشخص للخدمة في مقاطع فيديو قصيرة ومخططات إنفوجرافيك بطريقة مبسطة وقصيرة على منصات التواصل الاجتماعي، ومن المهم تكثيف حملات التثقيف العام بشرط أن تكون المعلومة دقيقة وحديثة والرسالة واضحة ومختصرة مع مراعاة عرض الإجراءات بشكل سهل وتوفير الروابط ومعلومات الاتصال وأن يتم الإخراج الفني بتوظيف المحتوى والعناصر المرئية؛ لتكون جاذبة لانتباه الناس، أخيرا ومما لا شك فيه أن طريق الوعي طويل فمن الضروري أن يستمر التفاعل بشكل منظم ودائم بما يتناسب مع فهم المتلقي؛ فالمثابرة هي الشعار.

‏(اليوم الوطني) في مشارق الأفق، والمملكة لديها طموحات كبيرة ولا نهائية والمسار طريق ذو اتجاهين والتفاعل الدائم بين المواطن والمؤسسات في القطاعين العام والخاص محور ضامن للمشاركة المجتمعية الكاملة في الازدهار والتنمية، فلعلنا نرى المؤسسات والمنشآت المهمة تغتنم الفرصة بتوعية المواطن بحقوقه فيم تقدمه من خدمات تحت مظلتها من خلال فعاليات هادفة عبر محاضرات وورش عمل ومسابقات وجوائز وغيرها.. نعم.. المبادرات النوعية مطلوبة في هذا اليوم التاريخي العظيم».
ريما رباح

ضعف التوعية مقابل نقص الاهتمام

‏«توعية المواطن لمعرفة حقوقه وحمايته ضعيفة لسبب رئيس وهو «عدم حرص كثير من الناس لمعرفة حقوقهم» بشكل عام. وهذا لا يعني أن برامج التوعية كافية ووافية بل ينقصها الكثير، ومما يصعب المهمة على البرامج التوعوية هو مثل ما ذكرت بأنه ليس هناك حرص على زيادة التثقيف والمعرفة بالحقوق ومنشورات الحماية، وأبسط مثال نجد دائما ضعفا وعدم رغبة عند نسبة كبيرة من الناس للتفاعل مع منشورات توعوية عن الاحتيال المالي، والأمثلة كثيرة لمسناها عند توضيح برامج دعم الإسكان وبرامج تطوير الوظائف وتطوير الأعمال.

‏ربما نصعب الموضوع أكثر عندما نقول بأن التعليم الأساسي هو المساهم الأكبر في عدم غرس مفاهيم أهمية التوعية، فالتعليم لسنوات طويلة كان مجرد تلقين أكثر من أنه تثقيف وتفكير.

يأتي بعد ذلك الدور الأسري والمجتمعي، وهو ضعيف أيضا في غرس مفاهيم أهمية التوعية.

الجهات الرسمية التي تعمل على البرامج التوعوية في الغالب تتعامل معهما كتأدية واجب وليس من خلال استراتيجية واضحة الأهداف والمبادرات، نظرا لصعوبة التعامل مع إيصال رسائل توضيح وتحذير لشرائح كبيرة من الناس ليس لديها الاهتمام بذلك، وهذا مما يوجب علينا إعادة النظر في الاستراتيجيات والأهداف والمبادرات لإعادة توجيهها لمشكلة عدم الرغبة في تقبل البرامج التوعوية».
‏برجس حمود البرجس

هل باتت برامج التوعية تأدية واجب؟

«توعية المواطن إلى حقوقه تقع بالدرجة الأولى على مؤسسات الدولة المعنية والقطاع الخاص بحكم أن من سن الحقوق أجدر بتوضيحها، وعدم وجود برامج توعوية حقوقية ملزمة (على الأقل في الوقت الحاضر) أو ضعف القائم منها حاليا يفاقم الفجوة بين الإجابة والسؤال.

وقد استبشرت خيرا وأنا أقرأ في أحد فروع منشأة خدمية لوحة ذات أبعاد مترية طبعت عن حقوقي كمواطن بألوان زاهية؛ نصبت في ساحة الانتظار، وبعد مرور أكثر من ثلاث ساعات، دخلت مكتب مديرها شاكيا، وخرجت موقنا أنها حقوق كتبت للقراءة فقط، وأن الأهم هو إضافة لمسة جمالية للساحة ذات المقاعد الرديئة لكنها تعد من الضروريات عند زيارة مفتش لن يسأل عن حقوقي (ولا حقوق اللي خلفوني) المكتوبة فيها بل عن وجود هذه اللوحة العظيمة التي تستر كل مبررات الفشل في تقديم اليسير منها.

ولك أن تقيس على البقية بلا استثناء، العام منها والخاص، بدءا من الجهات التابعة لوزارة الصحة والتجارة ووزارة العمل والبلديات إلى قطاع البنوك وشركات التأمين والاستقدام وخطوط الطيران وانتهاء بقائمة طويلة لا يمكن حصرها.

إن معرفتي بحقوقي وأنا محاصر بمبررات مسؤولين ترمم كل زواية تحجب الحصول عليها أو بعقود يفرضها تاجر أو رب عمل أو رئيس شركة تضعني تحت نابه المفترس لن يغير من الواقع شيئا في ضوء عجز مؤسسات الدولة عن توحيد العقود وطرق التعامل والمراقبة الصارمة في التفيذ - وإن كان التعميم غير منصف - ولكن يحق لي الحلم بأن تصبح هذه الحقوق فرضا ملزما لا يحتاج لأن أكون واعيا لكل التفاصيل ثم أدخل في معارك المطالبة بها، ولعل من أبسط هذه الأحلام إنشاء جهات رسمية أو لنقل هيئة مسؤولة رسمية تتبنى برامج التوعوية القانونية مع منحها صلاحيات محاسبة المقصر ومد يد العون لأصحاب الحقوق الضائعة».
حسن علي القحطاني

التثقيف المستمر دليل الجودة

«بطبيعة الحال الإنسان أي إنسان هو ما بين حقوق تعطى، وواجبات تؤدى. وهنا تحديدا حينما نتحدث عن حقوق المواطن فلا بد أن نستحضر الأساس الذي بنيت عليه هذا الحقوق، فهي وبلا شك حقوق اكتسبت مشروعيتها من مرجعية نظامية غايتها تحقيق العدالة الاجتماعية لكل أفراد المجتمع، وعليه يفترض من الجهات الحكومية والخاصة على حد سواء وضع مضامين الحقوق العامة أمام الجميع من خلال رؤيتها الرسمية وبعبارات واضحة، وأن تنشر هذه الحقوق بصفة مستمرة عبر رسالات توعوية هادفة.

ولو أخذنا على سبيل المثال لا الحصر ما تقوم به وزارة الصحة من جهود جديرة بالاحترام بنشر حقوق المرضى كافة أمام المداخل الرئيسة في المستشفيات، أو المراكز الصحية ومزودة بالرقم الموحد؛ لتلقي الشكاوى، أو الاقتراحات فهي حقيقة خدمة جيدة تقدم للمستفيد وتنعكس بالتالي على مستوى الخدمة المقدمة وهذا ما يؤدي إلى المزيد من المصداقية والثقة، وفي الوقت نفسه تقديم خدمة ذات جودة نظرا؛ لوضوح آلية التعامل بين الجهات الصحية والمستفيد بشكل عام.

على أي حال ما قامت به وزارة الصحة أو غيرها من الوزارات من جهود تشكر عليها فهي في الأصل وجدت لتخدم المواطن أولا وأخيرا، وهذا يدل على تفهمها للدور المناط بها، كما يفترض أن يكون هذا نهج جميع الجهات الحكومية والخاصة. أيضا ينبغى ألا ينسى الدور الهام للمواطن في المساهمة في جودة تلك الخدمات باتباع الأنظمة والتعليمات المرفقة».
عبدالرحمن عبدالقادر الأحمدي

إدراك الحقوق يخلق مجتمعا واعيا

«إن هذا السؤال أشبه بسؤال من تقع مسؤولية إطعام المواطن عليه، إذ إنه من الفطري أن يبحث الإنسان عن أمانه، يتنقل من ديار إلى ديار ويهجر وطنا ويسكن آخر بغية البحث عن أساسيات هرم ماسلو لاشك حاجة الأمان، ولا يوجد أمان دون حقوق وواجبات، فالفرد هو الأساس في البحث عن حقوقه، إذ لا يوجد أي نابغة في القانون الدولي والمحلي يعرف كامل الحقوق لنفسه، فكل نقطة يمر بها طوال يومه هي عالم مختلف من القوانين واللوائح والأنظمة والحقوق والواجبات، فلراكب الطائرة حقوق وواجبات تختلف عن حقوق قائد المركبة وعن حقوق المريض في المستشفى وعن وعن وعن..، فما أريد إيصاله أن الحق ناشئ عن رغبة صاحب حق في الحصول على حقه، فإن جهل حقوقه فلا يلام غيره.

ولكن هل يفتح معرفة الحقوق أبوابا كانت مغلقة في وجه المواطن، فهذا هو السؤال؟ فمثلما أنشأت وزارة العدل برنامجا متكاملا بكامل تكاليفه ومجهودات تشغيله باسم (تعريف) فقط لنشر الثقافة العدلية، جعلت من بعض المواطنين البسطاء أن يكون ملما بجوانب من حقوقه قد لا يلم بها نخبة من المحامين، فهذا يعني أن ذلك المواطن قد كلف نفسه وبحث عن حقه، أما الوزارة فقامت بمجهودها ولن تتمكن من إدخال تلك الثقافة العدلية بالقوة في دماغ من لم يبحث عن حقه، وقس على ذلك نظام العمل إن نشرته وزارة الموارد البشرية، ونظام الأسلحة والذخائر إن نشرته وزارة الداخلية وهكذا، فالصحيح أن هيئة الخبراء بمجلس الوزراء قد أنشأت موقعا الكترونيا مجانيا متاحا للجميع نشرت من خلاله عدد 453 نظاما كل نظام منها هو بحر عميق يروي جميع عطش الحقوق ولكن أين الباحث عن ماء ذلك الموقع وأقرانه؟!».
حماد القشانين