غازي القصيبي.. الباطن خير من الظاهر!
الثلاثاء - 14 فبراير 2023
Tue - 14 Feb 2023
لا شك بأنني من الجيل الذي نشأ في مجتمع يعاني نوعا من الأزمة تجاه كل ما يخالفه. وبالأخص فيما يخالفه بما يؤمن به من معتقدات دينية -سواء كانت صحيحة أو لا-. وهذه التنشئة في هذا المجتمع كان لها الأثر البارز في الطبيعة الفكرية والأخلاقية للجيل الذي نشأت به. لذلك من الطبيعي أن أتوجس من كل شخص تم "تدجيني" بأنه خطر! وأنه على غير الجادة الصحيحة. فأهرب منه قدر المستطاع حتى لا أتلوث بهذا الفكر "المغلوط" والذي قد يأوي بي إلى عواقب لا تحمد.
ولكنني للأسف ولدت بعقلية محتجة كما يسميها القصيمي عبدالله. فكنت ثائرا على كل شيء. ومن صور هذه العقلية الثائرة أنني ضربت بعرض الحائط بكل ما قد سمعته عن الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله- والذي كانت تتناقله التصنيفات من تيار لآخر فيوما يقال بأنه علماني، ويوما ليبرالي وآخر حداثي! فطرقت باب البحث عنه مما كتبه هو عن نفسه في شعره أو رواياته أو كتبه. أو ما كتبه غيره من المنصفين ذوي الفكر المتزن والصدر السليم.
ولعل من الجدير بالذكر في هذا الموقف أن الدهشة الأولى جاءت بعد قراءتي لقصيدته "حديقة الغروب" الذي ودع فيها حبيبته وابنته ووطنه بكلمات مشجية. وجاء في آخرها ابتهال ومناجاة من أرق ما قد يكتب فقلت في نفسي: لا يكتب هذا إلا رجل ذاق طعم الإيمان ويتحسر على ما تخرق من المعاصي والآثام إذ يقول رحمه الله:
يا عالم الغيب ذنبي أنتَ تعرفه
وأنت تعلم إعلاني وإسراري
وأنت أدرى بإيمان مننت به
علي ما خدشته كل أوزاري
أحببت لقياك حسن الظن يشفع لي
وهل يرتجى العفو إلا عند غفار
فلما قرأت هذه الأبيات شكلت لي نوعا من الصدمة، فكيف بمن تم تلقيننا بأنه عدو للإسلام والمسلمين يختم قصيدته بهذا الإقبال إلى الله. فبدأت عندها بالدخول إلى الدهاليز القصيبية بحثا عن هذه الحالة المتدينة، فأخذت أقرأ ما يكتب وما كتب عنه في هذا الجانب، فكانت الكتب التي تعنى بالشريعة والفكر الإسلامي هي أول ما بدأت قراءته له منها: كتاب "ثورة في السنة النبوية"، وكتاب "الشعراء الذين يتبعهم الغاوون"، وأيضا كتابه "حتى لا تكون فتنة" الذي صدر إثر سجالاته مع شيوخ الصحوة إبان حرب الخليج الثانية.
ولعلي أورد لكم هنا بعض ما كتبه وما كتب عنه مما يدل على تلك الحالة من الإقبال على الله والسنة والتعلق بها. فهو يقول رحمه الله: "إنني لا أؤمن إلا بنوعين من الحقائق؛ النوع الأول هو: الحقائق الدينية التي كشفَ عنها القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة الصحيحة الثابتة..." ومن يقرأ كتابه (ثورة في السنة النبوية) يدرك أنه يهدف إلى أن يقنع المسلمون الراغبون في الإصلاح، بقلوبهم لا بألسنتهم، أن في دينهم ما يغنيهم عن استيراد الإصلاح من الخارج، لو انتهت الانتقائية الانتهازية التي يمارس بها الدين في عالم المسلمين.
ويعزو نجاحه -رحمه الله- في كتابه سيرة شعرية إلى منةَ الله وفضله فيقول: "إننا مهما خططنا لحياتنا أو اتخذنا من القرارات بشأن مستقبلنا، نبقى، في النهاية، محكومين بما قدره الله لنا. إنني لم أنسب أي نجاح حققته في حياتي على المستوى الدراسي أو العملي، إلى كفاءة ذاتية، أو عبقرية شخصية، بل كنت أؤمن إيمانا لا يتزعزع أن إرادة الله سبحانه وتعالى هي التي منت عليَ بهذا النجاح".
وفي ذكر الموت يقول رحمه الله: "إنني أخاف من الموت في تفاصيله. هل سيكون مؤلما؟ هل سيكون نتيجة مرض عضال طويل؟ كيف سيكون وقعه على من أحب؟ هل سيدمر العشَ الصغير الأخضر؟ هذه التفاصيل التي ترعبني، أما الموت، بمعناه الكبير، فهو الحقيقة الكبرى في عالم مليء بالأوهام. الموت انتقال إلى رحمة الله. وثقتي في رحمة الله لا حدود لها. أعتقد وإن كنت لا أعلم، أنه حين تحين ساعة موتي فستجدني مستعدا لها بقليل من الحسنات، وكثير من الذنوب، وأمل شاسع في عفو الله، وشوق كبير إلى لقاء وجهه الكريم".
وفي مرضه الذي مات فيه -رحمه الله- قال لصديقه علي بن طلال الجهني: "لا تحزن ولا تتألم، سأقاوم بكل ما استطعت من قوة. ولكن الأمر لن يتجاوز بضعة أشهر قبل أن ألقى خالقي، فادع الله معي على أن يحسن لقائي برب العزة والجلال".
ومن يقرأ فيما يكتبه الدكتور غازي -رحمه الله- يلمس بيقين هذا الإيمان والاعتزاز بالهوية الإسلامية اعتزازا يقينيا ويظهر ذلك جليا في قصيدته هذه:
لا تهيئ كفني.. ما مت بعد
لم يَزل في أضلعي برق ورعد
أنا إسلامي.. أنا عزته
أنا خيل الله نحوَ الصدر تعدو
أنا تاريخي.. ألا تعرفه؟
خالد ينبض في روحي وسعد
ولعل الكثير يرى بأن لغازي رحمه الله مشكلة مع التيار المحافظ ولذلك عندما سأله الدخيل في أحد اللقاءات؛ هل تعتقد أن لديك مشكلة ما مع التيار المحافظ؟ أجاب رحمه الله: "هم عندهم مشكلة معي، أنا لا توجد لدي مشكلة معهم". ومما يؤكد ذلك ما كتبه أستاذ التربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الأستاذ حمد الماجد إذ يقول: "أغلب الطاقم الذي عمل مع القصيبي في سفارة لندن من المحافظين، مع أن السفير في الغالب هو الذي ينتقي، أو على الأقل يوافق على ترشيح، العاملين معه في سفارته".
ويقول الماجد أيضا في ذات المقال: "عندما تولى غازي حقيبة الصحة، كان سكرتير الوزير رجلا متدينا، بل من النوع الذي يهوى "النهي عن المنكر"، فالنتيجة المنطقية التي قد يصل إليها بعض المختلفين معه هي أن "ليبراليا" مثل غازي لن يتحمل "محافظا جدا" مثل هذا الرجل ولو ليوم واحد، خصوصا أنها وظيفة لصيقة به... الذي حدث أن مسؤولا شرعيا كبيرا بمرتبة وزير طلب من القصيبي الإذن بانتقال الموظف إليه، فرفض غازي، وظل هذا الرجل "الناهي عن المنكر" بجانبه حتى ترك غازي وزارة الصحة." وفي ذات السياق يقول السكرتير "المحتسب": "كان غازي في أسفاره دوما يجمعنا في جناحه لصلاة الجماعة، وهو الذي يوقظنا لصلاة الفجر، وكنت حين أرقبه يتوضأ أشفق عليه من كثرة بلل الماء الذي يصيب غترته وثيابه". ومن الجدير بالذكر في هذا أن القصيبي -رحمه الله- هو من كان وراء التوجيه بوضع الآية القرآنية (وَإذَا مَرضت فَهوَ يَشفين) في كل غرفة من كل مستشفى.
كما أنه في حدث لطيف ذكره شيخنا الشيخ أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري -حفظه الله- مع الدكتور غازي -رحمه الله-: "رأيت رجله -يقصد غازي- تخط في لندن إعياء من الإنفلونزا الحادَة؛ فقلت كعادتي في الدعاية للثوم: (ثلاث فصيصات من الثوم تعطي الجسم منعة، والدم ألقا، وتفش الغازات فش السهباء واديَ حنيفة) فقال: (لو كان في الثوم خير ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسماه شجرة خبيثة)؛ فتحدثت بذلك في مجالسي؛ فتعجب أحد الأقَلين كأن الكلمة الإيمانية مستغربة من غازي!".
وفي لمحة عن زهده رحمه الله فلقد رحل غازي ولم نر له قصرا شامخا، أو أراضا شاسعة، فكما أنه أسس جمعية الأطفال المعوقين فقد قام رحمه الله بالتبرع براتبه الشهري للجمعية، "وبرغم الشهرة التي طبقت الآفاق، ربما لا يعلم الكثير شيئا عن زهد الراحل عنا جسدا، والساكن فينا أدبا وكلمات وذكرى، وقد كان زهد المحبين المتفانين في العمل المتواضع تواضع العلماء الأجلاء، فالدكتور غازي رحل بكل هذه الصفات وهو لا يمتلك بيتا لنفسه، وكان يقطن منزلا بالإيجار، كما أنه حول إرثا عقاريا له في منطقة من أغلى شوارع الهفوف إلى مسجد بدلا من بيعها، لقد أدرك الدكتور غازي أن ثروته الحقيقية لا تكمن في منزل يملكه، ولا قطعة أرض بالملايين، بل هي في أدب أبدع فيه، وفي نهج استطاع أن يسخره للدفاع عن بلده وأمته ومصالحها، فصنع أحرف اسمه ورسم محاور ذكراه، حين يذكره الناس في المحافل وعناوين الكتب".
في نهاية هذا المقال لعلى هنا أدعو كل أبناء جيلي الذي اختلط عليهم الأمر ولم يستطيعوا التخلص من أدران "التدجين" الذي حدث لنا، أن يقرؤوا في سيرة هذا الرجل قراءة حيادية متجردة. وأعدكم بأنكم ستجدون فيه رجلا مختلفا عما قيلَ أو سيقال. ولا أجد قولا أجمل من قول "إن القصيبي رحمه الله باطنه خير من ظاهره". وأيضا كما قال الشيخ أبو عبدالرحمن الظاهري: "اللهم فاشهد أني كثير الحب لأبي سهيل، أحب غازيا مجردا عن كل غرض دنيوي، ولو زال كل غرض ما تغيَر جوهر حبه في قلبي.. أحبه أبا، وأحبه أخا، وأحبه ابنا وإن كان يَقْرب من سني!.. أحبه جاها يأسو، ويمنى تبذل للمحتاج سرا وعلنا.. أحبه نظيفا مما حفظ له بعض المتسرعين من طلبة العلم إلا الشنآن والإرجاف.. أما الأكثر فيعرفون قدره.. أحبه موهبة وكنَيْف علم".
ولكنني للأسف ولدت بعقلية محتجة كما يسميها القصيمي عبدالله. فكنت ثائرا على كل شيء. ومن صور هذه العقلية الثائرة أنني ضربت بعرض الحائط بكل ما قد سمعته عن الدكتور غازي القصيبي -رحمه الله- والذي كانت تتناقله التصنيفات من تيار لآخر فيوما يقال بأنه علماني، ويوما ليبرالي وآخر حداثي! فطرقت باب البحث عنه مما كتبه هو عن نفسه في شعره أو رواياته أو كتبه. أو ما كتبه غيره من المنصفين ذوي الفكر المتزن والصدر السليم.
ولعل من الجدير بالذكر في هذا الموقف أن الدهشة الأولى جاءت بعد قراءتي لقصيدته "حديقة الغروب" الذي ودع فيها حبيبته وابنته ووطنه بكلمات مشجية. وجاء في آخرها ابتهال ومناجاة من أرق ما قد يكتب فقلت في نفسي: لا يكتب هذا إلا رجل ذاق طعم الإيمان ويتحسر على ما تخرق من المعاصي والآثام إذ يقول رحمه الله:
يا عالم الغيب ذنبي أنتَ تعرفه
وأنت تعلم إعلاني وإسراري
وأنت أدرى بإيمان مننت به
علي ما خدشته كل أوزاري
أحببت لقياك حسن الظن يشفع لي
وهل يرتجى العفو إلا عند غفار
فلما قرأت هذه الأبيات شكلت لي نوعا من الصدمة، فكيف بمن تم تلقيننا بأنه عدو للإسلام والمسلمين يختم قصيدته بهذا الإقبال إلى الله. فبدأت عندها بالدخول إلى الدهاليز القصيبية بحثا عن هذه الحالة المتدينة، فأخذت أقرأ ما يكتب وما كتب عنه في هذا الجانب، فكانت الكتب التي تعنى بالشريعة والفكر الإسلامي هي أول ما بدأت قراءته له منها: كتاب "ثورة في السنة النبوية"، وكتاب "الشعراء الذين يتبعهم الغاوون"، وأيضا كتابه "حتى لا تكون فتنة" الذي صدر إثر سجالاته مع شيوخ الصحوة إبان حرب الخليج الثانية.
ولعلي أورد لكم هنا بعض ما كتبه وما كتب عنه مما يدل على تلك الحالة من الإقبال على الله والسنة والتعلق بها. فهو يقول رحمه الله: "إنني لا أؤمن إلا بنوعين من الحقائق؛ النوع الأول هو: الحقائق الدينية التي كشفَ عنها القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والسنة الصحيحة الثابتة..." ومن يقرأ كتابه (ثورة في السنة النبوية) يدرك أنه يهدف إلى أن يقنع المسلمون الراغبون في الإصلاح، بقلوبهم لا بألسنتهم، أن في دينهم ما يغنيهم عن استيراد الإصلاح من الخارج، لو انتهت الانتقائية الانتهازية التي يمارس بها الدين في عالم المسلمين.
ويعزو نجاحه -رحمه الله- في كتابه سيرة شعرية إلى منةَ الله وفضله فيقول: "إننا مهما خططنا لحياتنا أو اتخذنا من القرارات بشأن مستقبلنا، نبقى، في النهاية، محكومين بما قدره الله لنا. إنني لم أنسب أي نجاح حققته في حياتي على المستوى الدراسي أو العملي، إلى كفاءة ذاتية، أو عبقرية شخصية، بل كنت أؤمن إيمانا لا يتزعزع أن إرادة الله سبحانه وتعالى هي التي منت عليَ بهذا النجاح".
وفي ذكر الموت يقول رحمه الله: "إنني أخاف من الموت في تفاصيله. هل سيكون مؤلما؟ هل سيكون نتيجة مرض عضال طويل؟ كيف سيكون وقعه على من أحب؟ هل سيدمر العشَ الصغير الأخضر؟ هذه التفاصيل التي ترعبني، أما الموت، بمعناه الكبير، فهو الحقيقة الكبرى في عالم مليء بالأوهام. الموت انتقال إلى رحمة الله. وثقتي في رحمة الله لا حدود لها. أعتقد وإن كنت لا أعلم، أنه حين تحين ساعة موتي فستجدني مستعدا لها بقليل من الحسنات، وكثير من الذنوب، وأمل شاسع في عفو الله، وشوق كبير إلى لقاء وجهه الكريم".
وفي مرضه الذي مات فيه -رحمه الله- قال لصديقه علي بن طلال الجهني: "لا تحزن ولا تتألم، سأقاوم بكل ما استطعت من قوة. ولكن الأمر لن يتجاوز بضعة أشهر قبل أن ألقى خالقي، فادع الله معي على أن يحسن لقائي برب العزة والجلال".
ومن يقرأ فيما يكتبه الدكتور غازي -رحمه الله- يلمس بيقين هذا الإيمان والاعتزاز بالهوية الإسلامية اعتزازا يقينيا ويظهر ذلك جليا في قصيدته هذه:
لا تهيئ كفني.. ما مت بعد
لم يَزل في أضلعي برق ورعد
أنا إسلامي.. أنا عزته
أنا خيل الله نحوَ الصدر تعدو
أنا تاريخي.. ألا تعرفه؟
خالد ينبض في روحي وسعد
ولعل الكثير يرى بأن لغازي رحمه الله مشكلة مع التيار المحافظ ولذلك عندما سأله الدخيل في أحد اللقاءات؛ هل تعتقد أن لديك مشكلة ما مع التيار المحافظ؟ أجاب رحمه الله: "هم عندهم مشكلة معي، أنا لا توجد لدي مشكلة معهم". ومما يؤكد ذلك ما كتبه أستاذ التربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الأستاذ حمد الماجد إذ يقول: "أغلب الطاقم الذي عمل مع القصيبي في سفارة لندن من المحافظين، مع أن السفير في الغالب هو الذي ينتقي، أو على الأقل يوافق على ترشيح، العاملين معه في سفارته".
ويقول الماجد أيضا في ذات المقال: "عندما تولى غازي حقيبة الصحة، كان سكرتير الوزير رجلا متدينا، بل من النوع الذي يهوى "النهي عن المنكر"، فالنتيجة المنطقية التي قد يصل إليها بعض المختلفين معه هي أن "ليبراليا" مثل غازي لن يتحمل "محافظا جدا" مثل هذا الرجل ولو ليوم واحد، خصوصا أنها وظيفة لصيقة به... الذي حدث أن مسؤولا شرعيا كبيرا بمرتبة وزير طلب من القصيبي الإذن بانتقال الموظف إليه، فرفض غازي، وظل هذا الرجل "الناهي عن المنكر" بجانبه حتى ترك غازي وزارة الصحة." وفي ذات السياق يقول السكرتير "المحتسب": "كان غازي في أسفاره دوما يجمعنا في جناحه لصلاة الجماعة، وهو الذي يوقظنا لصلاة الفجر، وكنت حين أرقبه يتوضأ أشفق عليه من كثرة بلل الماء الذي يصيب غترته وثيابه". ومن الجدير بالذكر في هذا أن القصيبي -رحمه الله- هو من كان وراء التوجيه بوضع الآية القرآنية (وَإذَا مَرضت فَهوَ يَشفين) في كل غرفة من كل مستشفى.
كما أنه في حدث لطيف ذكره شيخنا الشيخ أبو عبدالرحمن ابن عقيل الظاهري -حفظه الله- مع الدكتور غازي -رحمه الله-: "رأيت رجله -يقصد غازي- تخط في لندن إعياء من الإنفلونزا الحادَة؛ فقلت كعادتي في الدعاية للثوم: (ثلاث فصيصات من الثوم تعطي الجسم منعة، والدم ألقا، وتفش الغازات فش السهباء واديَ حنيفة) فقال: (لو كان في الثوم خير ما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسماه شجرة خبيثة)؛ فتحدثت بذلك في مجالسي؛ فتعجب أحد الأقَلين كأن الكلمة الإيمانية مستغربة من غازي!".
وفي لمحة عن زهده رحمه الله فلقد رحل غازي ولم نر له قصرا شامخا، أو أراضا شاسعة، فكما أنه أسس جمعية الأطفال المعوقين فقد قام رحمه الله بالتبرع براتبه الشهري للجمعية، "وبرغم الشهرة التي طبقت الآفاق، ربما لا يعلم الكثير شيئا عن زهد الراحل عنا جسدا، والساكن فينا أدبا وكلمات وذكرى، وقد كان زهد المحبين المتفانين في العمل المتواضع تواضع العلماء الأجلاء، فالدكتور غازي رحل بكل هذه الصفات وهو لا يمتلك بيتا لنفسه، وكان يقطن منزلا بالإيجار، كما أنه حول إرثا عقاريا له في منطقة من أغلى شوارع الهفوف إلى مسجد بدلا من بيعها، لقد أدرك الدكتور غازي أن ثروته الحقيقية لا تكمن في منزل يملكه، ولا قطعة أرض بالملايين، بل هي في أدب أبدع فيه، وفي نهج استطاع أن يسخره للدفاع عن بلده وأمته ومصالحها، فصنع أحرف اسمه ورسم محاور ذكراه، حين يذكره الناس في المحافل وعناوين الكتب".
في نهاية هذا المقال لعلى هنا أدعو كل أبناء جيلي الذي اختلط عليهم الأمر ولم يستطيعوا التخلص من أدران "التدجين" الذي حدث لنا، أن يقرؤوا في سيرة هذا الرجل قراءة حيادية متجردة. وأعدكم بأنكم ستجدون فيه رجلا مختلفا عما قيلَ أو سيقال. ولا أجد قولا أجمل من قول "إن القصيبي رحمه الله باطنه خير من ظاهره". وأيضا كما قال الشيخ أبو عبدالرحمن الظاهري: "اللهم فاشهد أني كثير الحب لأبي سهيل، أحب غازيا مجردا عن كل غرض دنيوي، ولو زال كل غرض ما تغيَر جوهر حبه في قلبي.. أحبه أبا، وأحبه أخا، وأحبه ابنا وإن كان يَقْرب من سني!.. أحبه جاها يأسو، ويمنى تبذل للمحتاج سرا وعلنا.. أحبه نظيفا مما حفظ له بعض المتسرعين من طلبة العلم إلا الشنآن والإرجاف.. أما الأكثر فيعرفون قدره.. أحبه موهبة وكنَيْف علم".