مرزوق بن تنباك

الثقافة العميقة ومشكلة الاختيار

الثلاثاء - 03 يناير 2023

Tue - 03 Jan 2023

منذ خمسين سنة مضت كانت النافذة التي نطل منها على الثقافة العربية الإسلامية العريضة ضيقة إلى حد الانغلاق الذي لا يتسع لمجال النظر إلا من ثقب خط مستقيم ينطلق من نقطة حددت بعناية إلى ما ارتضاه الناظرون من هذا الثقب الثقافي وما اختاروه بدقة وحرص شديدين على ألا يطلع الناس وألا يعرفوا غير ما ارتضاه المؤهلون وقبلوا به.

لذا جهل الناس عمق ثقافتهم وتعددها وتنوعها ومساحة الاختلاف فيها التي تبلغ درجة التعارض في بعض الأحيان حتى أصبح الانتقاء والاختيار للرأي الواحد في الفقه وفي التاريخ وفي الأدب وعموم الثقافة عندنا حقيقة مطلقة لا يمكن مناقشتها ولا مخالفتها بل يظن الكثير أنه لا يوجد قول غير ما قيل ولا اجتهاد غير ما تقرر.

ليست هذه المشكلة وليست هي القضية التي نتحدث عنها؛ فالناس يحفظون (يد الله مع الجماعة)، المشكلة حدثت عندما اتسعت دائرة الرؤية إلى ما كان محجوبا من محيط هائل من التراث المعرفي العربي والإسلامي وفتحت مغاليق الثقافة وأبوابها على كل مصاريعها بلا استثناء، وهي لا شك تحمل شيئا كثيرا لم نألفه ولم نطلع عليه، كان الملبس وحده الذي يخالف ما نلبس إثما وممنوعا ومحرما تحت بند التشبه بغير المسلمين، وقد أحصى أحد رجال الدين كما قال عشرات الممنوعات ليس فيها نص واحد يحرمها غير العادة والتقاليد المحلية.

وقد أوقعت سعة الموروث وتنوعه وتعدد الاجتهادات المثقفين في التناقض حين فتح الباب للنظر إلى محيط الموروث الثقافي، فالمسألة الواحدة يجد الناظر فيها عددا كثيرا من الأقوال التي يضرب بعضها بعضا ويختلف بعضها مع البعض الآخر.

ولعل قضية واحدة سنوردها تبين مدى الاختلاف والتنازع وهي تهنئة أهل الكتاب بأعيادهم، هذه القضية وحدها تصلح مثالا لما يحدثه الجدل حول الإباحة والتحريم، وهي تصلح مثلا أيضا لأنها تتكرر كل عام ومعها يتكرر الجدل الذي لا يخرج عن دائرة المسلمين بينهم، فمن يرى جواز التهنئة لغير المسلمين بأعيادهم يعمد إلى التراث ويختار منه ما يسعفه ويؤيد رأيه فيجد بضاعته موفورة مكنوزة تعزز رأيه وتقويه، ومن لا يجيز ذلك يعمد إلى التراث نفسه أيضا ويجد فيه بابا واسعا يؤيد ما يقول ويصدق ما يعمل.

ولأن أعياد الميلاد تتكرر كل عام فإن الجدل في الموضوع نفسه يتكرر وتتكرر الاستعانة بالتراث مرة تلو المرة، ولم يقنع أي من الطرفين الآخر بحجة فاصلة، فمرجعية التراث الذي يورده كل طرف حكم فاصل عند من يراه ويأخذ به.

جواز التهنئة بعيد الميلاد أو منعها يمثل مئات القضايا والمشكلات التي تواجه المسلمين في مذاهبهم وآرائهم واختلافاتهم بينهم، واختلافهم تنعكس على ملايين المسلمين الذين يعيشون في الغرب ويعملون فيه ولهم صلاتهم ومعارفهم وزملاؤهم من المجتمع الذي احتواهم، وهنا تكون المعضلة عندهم أكثر تعقيدا وأشد حرجا لهم وللثقافة التي ينتمون إليها، لا شك أننا بحاجة إلى التجديد والمراجعة للموروث واعتبار الواقع الذي يعيشه العالم والمسلمون جزءا منه ولا يمكن فصله ولا عزله عما حوله وما يحيط به.

Mtenback@