فهد عبدالله

الرحلة إلى الداخل

الاثنين - 28 مارس 2022

Mon - 28 Mar 2022

منذ نعومة الأظافر وحتى الوصول لمرحلة أرذل العمر مساحات الإدراك والتأمل والمعرفة تتسع يوما بعد آخر، وهذا أمر واضح وجلي ويمكن للإنسان بلحظات من التأمل والتجلي واستدعاءات الذاكرة يعرف بديهيا حجم التقدم الذي حصل في ما يتعلق بمسألة الإدراك والوعي بكل ما هو حولنا، ولعلك صادفتك لحظات تمتمت فيها بكلمات إلى نفسك بأنني لو رجعت إلى أوقات سابقة لفعلت كذا وكذا أو لما ترددت لحظة بأن اتخذ قرار في تلك المسألة أو تراجعت عن ذلك الفعل الذي فعلت وكل ذلك يرجع إلى ذلك المفهوم البديهي بأن الإدراك والوعي والمعرفة تتسع وتتمدد مع مضي الزمن.

في مرحلة نضج معينة قد تكون متأخرة أو مبكرة لمن يسر الله له الاهتمام بذلك سيوقن الإنسان بأن جميع القيم والمعادلات الداخلية التي ارتبطت مثلا بالأشياء أو الأشخاص أو كل ما هو مرتبط بالعوامل الخارجية ماهي إلا رحلات ذات مشقة تفضي ربما إلى إنجاز مؤقت أو متعة لحظية ولا يمكن لها بشكل مجرد أن تهدي إلى ذلك السلام الداخلي الدائم، وكلما كانت الجهود الشخصية حثيثة تجاه معرفة النفس والارتحال إليها كثيرا كانت مظنة إغلاق الفجوات وإصلاحات جذور الخطايا وترميم الداخل أكثر حظا فيما يتعلق بالنضج المتعالي والسلام الداخلي المستقر.

من خلال الطرق المنطقية لهذه المسألة سنعرف أن أهم رحلة متكررة تقوم بها في الحياة هي تلك الرحلات التصحيحية التي تقوم بها داخل النفس وبالتأكيد هي أقلها تكلفة وأعظمها في الجهد ونتائجها لا يعلمها إلا الله في حجم أثرها الإيجابي على الانسان، التناول المنطقي يقول إنه عندما تكون معايير التقدم لديك مرهونة بتلك الإنجازات الخارجية أو حيازة الأشياء أو كل ما هو متصل بالخارج ستكون انعكاساتها عليك متذبذبة بناء على الحالة الراهنة لهذه العوامل الخارجية بينما عندما يكون مصدر النضج والتقدم والقيم لديك مرتبط بما هو في الداخل سيكون الحال مرهونا بيديك وعقلك وقلبك ولديك المقدرة بأن تذلل كل عسير يقع تحت سلطتك الخاصة.

وبتناول منطقي آخر بالله عليك حدثني كيف يمكن مثلا تريد حلا جذريا لمشكلة ما وأنت مثلا لا تعرف ماهي المشكلة في المقام الأول، وكذلك الحال عندما تتحدث عن النفس التي تحتويك والتي بها عوالم تفوق منطقة الإدراك البشري وتفوق كل تلك البيانات والمعلومات التي قد تتلقاها من خلال قرون الاستشعار لديك عن العوالم الخارجية لذلك عندما نقرأ الآية الكريمة (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق) تتجلى كفتا الميزان بوضوح فجميع العوامل الخارجية في كفة وفي الكفة الأخرى النفس، لذلك أعظم الاكتشافات التي قد تحصل عليها في الحياة وبلا تردد في ذلك هي تلك الاكتشافات التي تحدث عندما تكون مرتحلا إلى الداخل (وفي أنفسكم أفلا تبصرون).

مهما كانت المعرفة التي تناولتها أو تترقبها أو الإرشادات التي تأتيك من كل حدب وصوب أو الانتظارات الطويلة الأجل التي تأتي بشكل تسويفي في التطلع لتلك اللحظات الحالمة التي ستغير الحال الداخلي إلى الأفضل والتي لن تحدث أبدا إلا بتلك الرحلات الداخلية الجادة والمستمرة وإلا ستكون القيم ومفردات السلام الداخلي الدائم والنضج ماهي إلا مصطلحات تعبر عن قشور تلك المفاهيم وتبقى في ذلك الرف العلوي الذي بحاجة لسلم طويل للوصول إليه وتلك فطرة الله في خلقه (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

@fahdabdullahz