علي المطوع

كييف.. نهاية البداية أم بداية النهاية؟

السبت - 26 مارس 2022

Sat - 26 Mar 2022

في الحرب العالمية الثانية، كان لستالينغراد ومعركتها أهمية كبرى، فالألمان يريدون انتزاعها من عدوهم للوصول إلى غايتهم الأهم موسكو، والسوفيت في ذلك الحين كانوا يرون فيها رمزية لنظامهم وأيديولوجيتهم وقضيتهم وشعوبهم، إضافة إلى أنها تستمد اسمها من اسم رمز الدولة الأول في ذلك الحين، الطاغية جوزيف ستالين. ما أشبه الليلة بالبارحة، فالتاريخ يعيد نفسه، وكييف ومعركتها المصيرية هذه الأيام تعدان المنعطف الأهم في صراع الشرق والغرب الذي تدور رحاه على الأرض الأوكرانية شرق أوروبا.

الأخبار العالمية في الساعات الماضية رشحت عن خبرين مهمين، الأول استعداد أمريكا من خلال إعلانها الأخير الذي جاء على لسان الرئيس بايدن عزمها؛ تزويد أوروبا بما مقداره 15 مليار متر مكعب من الغاز المسال هذا العام، لتعويض النقص في هذه السلعة المهمة نتيجة للأحداث الجارية في أوكرانيا، في خطوة تعكس جدية أمريكا في الاستغناء عن السلعة الروسية الأهم التي ما زالت روسيا تراهن عليها كسلعة استراتيجية يمكنها من خلالها المناورة مع الغرب والأخذ والرد، هذا الموقف الأمريكي تحديدا يعكس مدى جدية أمريكا ومن ورائها الغرب في التعاطي وبقوة مع روسيا ككيان معتد لا يجب إيقافه فحسب بل وشل قدراته الاقتصادية والعسكرية كونه يمثل خطرا على أوروبا والعالم!

الخبر الثاني هو الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي لبولندا، والتغطية الإعلامية المصاحبة لوقائعها، هذه الزيارة فيها كثير من معاني الدعم المعنوي لأوروبا وشعوبها وقبلها الاستفزاز لروسيا، حيث إن بولندا وعاصمتها تحديدا وارسو كانت مكانا لإعلان حلف وارسو الشيوعي الذي شكله السوفيت ليكون مقابلا لحلف الناتو في زمن الحرب الباردة، من هنا تكمن رمزية هذه الزيارة، وتأثير وقعها على الروس كون بايدن يمارس عمليات إعلانية استفزازية كبيرة، يصاحبها دعم عسكري للأوكرانيين وإن قل إلا أنه يؤكد جدية أمريكا في منع سقوط كييف أو تأخير هذا الموعد لأطول وقت ممكن.

في المقابل مازالت روسيا البوتينية تترنح في المشهد الأوكراني، فسير العمليات لا يشي بتقدم استراتيجي وسريع يجعل الحرب تميل كفتها إلى روسيا لتفرض شروطها على العالم، فالعاصمة كييف ما تزال صامدة، والمحاربون الأوكران يبدو أنهم قد نجحوا حتى الآن في تعطيل الماكينة العسكرية الروسية، وهذا ما جعل الروس يهاجمونها من عدة محاور، في محاولة لقطع طرق إمدادها وعزلها قبل أن يطبق عليها الجيش الأحمر الذي يحاول جنرالاته إثبات تفوقهم وقدرتهم على صناعة نصر عسكري سريع ومؤثر يوقف الحرب ويجعل روسيا تتنفس الصعداء من جديد.

أوروبا اليوم في مأزق كبير، فالحرب تدق طبولها في الشرق، والضغط الأمريكي يتزايد على دولها لمجابهة روسيا التي تعتبر نفسها تاريخيا وجغرافيا جزءا مهما من القارة العجوز، وأمريكا معزولة -نوعا ما- عن مخاطر هذه الأحداث بحكم الجغرافيا التي أبعدتها كثيرا عن بؤر الصراع، ولوفرة مصادرها الطبيعية الكبرى التي تجعلها في مأمن من أي عارض نقص في تلك الموارد، فهي كما قال عنها أحد المفكرين: أمريكا جغرافيا بلا تاريخ!

بقي أن نقول ومن منظور تاريخي فإن كييف اليوم هي ستالينغراد الأمس، ومعركتها هي من ستحدد مسار الحروب القادمة ووجهتها وتوجهها، فإما أن يكون سقوطها نهاية ناجحة للمغامرة الروسية، أو بداية النهاية لمشروع روسيا البوتينية الطموح، والروس وإن كانوا قاب قوسين أو أدنى من السيطرة عليها إلا أنهم يرون أن ثمن سقوطها سيكون مكلفا جدا، لأن أمريكا تعلم أن سقوطها في يد الروس بهذه السرعة يعني أنها قد فشلت في إذاقة روسيا البوتينية مرارة الخسارة وإعادتها إلى حجم صغير ما تزال أمريكا تراه هدفا استراتيجيا مهما لها لتؤكد سيطرتها على العالم حتى حين، قبل أن تبدأ بالمواجهة الأهم مع التنين الصيني الذي ما يزال ينأى بنفسه حتى الآن عن هذا الصراع لعلمه أن الوقت لم يحن بعد لمواجهة التنين الأمريكي ومن ورائه الغرب.

alaseery2@