زيد الفضيل

تأصيل الهوية في يوم التأسيس

السبت - 19 فبراير 2022

Sat - 19 Feb 2022

في البدء كانت الإرادة، وكان معها التأسيس، وهو ما يحتفي به الوطن بعد يومين، حيث تحل الذكرى الأولى للتأسيس انطلاقا من اعتزاز بالجذور الراسخة التي تعود إلى ثلاثة قرون ماضية، ومن هناك تبدأ الحكاية بوصول الأمير مانع بن ربيعة المريدي من قبيلة بني حنيفة ومعه أفراد عشيرته من شرق شبه الجزيرة العربية إلى وسطها لتأسيس مدينة الدرعية الجديدة عام 850هـ الموافق 1446م. وبذلك كانت البداية لتأسيس هذا الصرح الشامخ الذي توارثه الأبناء حتى كان عهد الحفيد الثامن الأمير محمد بن سعود، الذي حول حلم توحيد الجزيرة العربية، ولم شتات أهلها، إلى حقيقة ماثلة حتى اليوم، ولذلك استحق أن يكون إماما، وأن يكون ابتداء حكمه في الثاني والعشرين من شهر فبراير لعام 1139هـ الموافق 1727م ذكرى ليوم تأسيس هذا الوطن الغالي وهو المملكة العربية السعودية، الذي ينتمي إلى أعرق التكوينات الجغرافية في العالم، حيث شكلت الجزيرة العربية بعمق وجودها الجيولوجي قلب العالم قديما، وظلت محافظة على مكانتها حديثا ومعاصرة.

وكان تأكيد المملكة لهذا العمق الوجودي من خلال استلهامها لعناصر الأصالة في شعار التأسيس وفق ما هو معلن بشكل رسمي، حيث احتوى الشعار على خمسة عناصر يمثل كل واحد منها قيمة وجدانية ومادية في آن واحد، عوضا عما يعكسه من دلالة رمزية لملامح هوية عربية أصيلة ومتجذرة بعروقها في جبال ووهاد هذا الوطن الكريم.

وقد تمثلت العناصر المشار إليها في: العلم السعودي، والنخلة، والصقر، والخيل العربية، والسوق، وحتما وكما جاء في تعريف «دارة الملك عبد العزيز» فإنها جميعا تعكس تناغما تراثيا حيا، وأنماطا مستمرة، والجميل أن الخط الذي كتب به الشعار قد استلهم من نمط خط إحدى المخطوطات التاريخية التي أرخت لأحداث الدولة السعودية الأولى وفق ما جاء في التعريف.

وواقع الحال فليس خافيا البعد الرمزي لهذه العناصر على الصعيد الوجداني المعنوي، وعلى الصعيد المادي اقتصاديا وسياسيا. إذ تعكس العناصر المختارة على الصعيد الوجداني قيمة أصيلة أراد المشرع من ورائها أن يؤكد لأبنائنا بأننا ننتمي بوجداننا وجذورنا إلى قيم أصيلة يجب ألا نتخلى أو نتنازل عنها في ظل سُعار العولمة المقيت الذي بات يلفحنا بلهيبه صباح مساء؛ وكأني به أيضا يريد أن يُمتِّن حبل الاتصال والوصال بين الحاضر وقاعدته التاريخية من أجل أن يكون مستقبلنا متينا وثابتا.

وعلى الصعيد الاقتصادي والسياسي وبخاصة للمتلقي من خارج المملكة، فإن الدلالة واضحة في معناها ورسالتها كذلك، فالنخلة رمز للإباء العربي، وهي في ذات الوقت قيمة اقتصادية كبيرة تغطي الحاجة من الأمن الغذائي ابتداء، والصقر رمز للحرية المسؤولة التي ترفض كل قيد جائر، والخيل انعكاس للإنسان العربي بشموخه وأصالته وقوته وسرعته ووفائه، والسوق دلالة على مهنية التفاوض انطلاقا من ثنائية الأخذ والعطاء، وكل ذلك مُجلل بالعلم الوطني المزين بشهادة التوحيد الأسمى، وسيف العدالة الأقوى، وكأني بالمشرع قد أراد أن يقول للآخر بوضوح بأننا في المملكة العربية السعودية نفتح أيدينا -المتجذرة في أعماق هذه الأرض التاريخية- بكل حرية وأصالة، لكل من يريد صداقتنا بود وإخاء.

أختم بالإشارة إلى الرسائل التي أراد أن يؤكدها المشرع حين حدد الثاني والعشرين من شهر فبراير يوما لذكرى التأسيس والتي تتمحور في عدد من الأهداف، ينصب أولاها في تأكيد الأصالة والهوية التاريخية في وجداننا الوطني، حيث يشير التاريخ 1727م إلى سنة تولي الإمام محمد بن سعود لمقاليد الحكم، كما يتمحور ثانيها حول تأكيد مرتكزات الهوية الثقافية في ظل تعالي صوت العولمة وتزايد مظاهر الانسلاخ المقيت من البعض، فكان أن اختار المشرع خمسة عناصر تمثل المراد، وتؤصل لغيرها من قواعد ومرتكزات موروثنا العربي الأصيل. كل ذكرى ووطننا بخير ونماء.

zash113@