علي المطوع

المدير الرصاصة

الأحد - 06 فبراير 2022

Sun - 06 Feb 2022

تعودنا أن تقترن الرصاصة كصفة لموصوف بشيء سريع جدا خارق لما تعتاده الطبيعة الإنسانية، فعلى مستوى البشر هناك العدّاء الجامايكي «أوساين» الملقب «بالرصاصة»، صاحب الرقم القياسي في سباق المائة متر بزمن قدره 9,58 ثانية ليكون بذلك أسطورة بشرية قد لا تتكرر في هذا المجال، وعلى مستوى الصناعة هناك القطار الرصاصة الذي تصل سرعته إلى 360 Km في الساعة، وهو آخر ما أصدرته العقلية اليابانية الجبارة في خدمات النقل السريعة والفريدة.

وفى عالم الإدارة هناك مدير من طراز ناري فريد؛ فهو كالرصاصة المتفجرة في سرعته وتوقيته ودقة إصابته لأهدافه الخاطئة، والتي يؤمن دائما بأنها أهداف معادية لسياساته وإجراءاته، وهي في الحقيقة ليست كذلك، بل هي أهداف معادية للمحيطين به والذين استطاعوا ومن خلال الثقة العمياء الممنوحة لهم الوصول إلى مفاتيح ضبط هذا المدير وانضباطه فأعادوا تنصيبه وتوجيهه من خلال منصاتهم ليصبح مجرد رصاصة يطلقها مسدس صغير يعمل كعادته القاصرة من الظل وعن بعد.

المدير الرصاصة عيبه أن وعيه يُطلق دون إرادته ورغبته، وذلك بعد أن يلبس عليه ليصبح الهدف المرسوم له كما يقال له، مكسبا ينبغي تحقيقه بأسرع وقت ممكن، ويصبح تدميره سفرا ناصعا في سجلات أهدافه التي سبق وأن أسقطها كرصاصة نارية أطلقها محتسب لمصالحه ضمن كتائب المنتفعين حوله الذين يستغلونه بدهاء ومكر، وهذا يجسد مدى فهمهم له وقدرتهم على استخدامه وتشكيله وفق رؤاهم ومطامعهم الخاصة.

المدير الرصاصة يعشق التغيير ليس لأنه يؤمن بجدواه في بعث وضخ دماء جديدة في شرايين وأوردة إدارته، ولكنه اعتاد على نسق واحد من الموظفين يمتازون بالضعف أولا وبعدم القدرة على التفكير ثانيا، ولأن الجميع ليسوا سواء، فإنه يصادف مجموعة من الموظفين تبسط له الوجه انشراحا ومباشرة، وتشعره أنها في غاية الانقياد والطاعة والالتزام بما يحب والنأي والابتعاد عما يكره، هؤلاء هم بمثابة الفيروس الالكتروني الذي يخترق منظومة هذا المدير ويصبحون على علم بكامل تحركاته وتوجهاته وتوجيهاته، لهم أساليب ماكرة في إقناعه بجدوى تغيير شخص معين من خلال أساليب الغيبة والنميمة المركزة واجتزاء الحقائق وتقديمها كصور كاملة للحقيقة لا يشوبها شائبة.

جل هؤلاء أصغر من المدير الرصاصة سنا وتجربة لكنهم يفوقونه فهما ودراية للمكان وأهله، فهؤلاء لديهم القدرة على إقناع هذا المدير بما يريدون من خلال سياسات التوجيه غير المباشرة والمركزة من خلال أشخاص عدة يتناولون ذات القضية بنفس الطريقة والأسلوب، ليتم إشغال هذا المدير وجعله يعيش صراعات بالوكالة في إدارته وخارجها، وهذا ما يكسب شلل المتنفذين حوله المزيد من الحضور والمكاسب في تلك الإدارات، خاصة أن لهؤلاء المنتفعين نهاياتهم الطرفية في مكتب سعادته وأماكن سمره ولهوه، يعرفون ما يحب وما يكره وما يريد وما يراد له وهذا يجعل لهم اليد العليا في المبادرة والتصدي والاحتواء.

المدير الرصاصة يدخل في معارك إدارية عنيفة وكلها معارك ليست له ولا لمصلحة العمل هي معارك للمنتفعين من ورائه الذين يستهلكونه لآخر قطرة، وفي سمرهم يستهترون بقدراته وأفكاره، وفي اللحظات الحرجة عند أي سؤال من أي جهة رقابية فإنهم يحملونه تلك الأخطاء وأنها كانت بتوجيهه وأمره وأنهم لا يستطيعون فعل شيء أمام ما كان يأمرهم به!

المدير الرصاصة هو ضحية نفسه أولا ثم مجموعة من المتكسبين والمنافقين حوله الذين لا هم لهم إلا مصالحهم الذاتية ومكاسبهم الدائمة وهذا ما يجعلهم دائمي الحضور في المشهد الإداري بقوة، لكنه حضور من وراء حجاب، فهم إدارة الظل التي تدير المشهد كاملا وتستغل شخصية هذا المدير البسيط والتي تجعله كالعادة مجرد رصاصة ليس لها من الحضور سوى الأزيز كونها مفعول به والفاعل الحقيقي كعادته ضمير مستتر، تقديره هو أو هي في محل رفع دائم عن الشك والمساءلة وعلامة رفعه الظاهرة كل الرصاصات المتهورة.

alaseery2@