X
وليد الزامل

العابرون خارج أسوار المدينة

السبت - 27 مارس 2021

Sat - 27 Mar 2021

في الأسبوع الماضي شددت الرحال نحو مكان ما في الصحراء على بعد 113 كلم من المدينة التي أقيم فيها. هذا المكان الصغير لا يزال يحتفظ بخصائصه الطبيعية المتميزة ولا يعرفه إلا القليل من الناس، حيث استعنت بصديق للحصول على الإحداثيات الدقيقة للموقع. أعددت قهوتي، وأنا لوحدي أتأمل سكون المكان وجماله. مضى الوقت سريعا فالأوقات الجميلة تغدو كطيف النسيم العليل أو هكذا كما يقولون. خيم الليل الدامس على المكان ولم أجد وسيلة للعودة حيث علقت عجلات سيارتي في الرمال. لقد تكالبت عليّ الأمور دون حول مني ولا قوة فنزلت إلى أحد الأودية القريبة لعلي أجد المساعدة.

وفي غمرة سكون الليل الدامس لاح لي شخص غريب، غير واضح المعالم، ولا تبدو عليه آثار التعب فأقرأته السلام، فقال لي: ما حاجتك؟ فأشرت له ها هنا وأعني السيارة معطلة وأحتاج إلى مساعدة، فأومأ برأسه وبادرني بسؤال عن سبب تواجدي في هذا المكان؟







فأجبته وعلى وجهي ارتسمت ملامح الاستغراب من سؤالٍ قلما يسأله مدرك حصيف. يا صاحبي قد خرجت من مدينتي لأستريح في هذا المكان الجميل بعد تعب اليوم، وها أنا الآن أجدني أمامك لعلك تكون سببا في مساعدتي. يا صاحبي دعني أحدثك فالمناطق البرية والأودية أحد مقومات استدامة المدن متى ما أحسن استغلالها. لقد اتسعت رقعة المساحات المبنية في المدن حتى أضحت الفضاءات البرية والبيئات الطبيعية مقصدا لكثير من السكان. إن حماية البيئة والموارد الطبيعية تعد مدخلا هاما للارتقاء بجودة المدن ودعم رفاهية سكانها، بل واستثمارها اقتصاديا.

لقد أشار الهدف الاستراتيجي رقم (6) لوزارة الاقتصاد والتخطيط إلى «تفعيل البعد البيئي باعتباره أحد ركائز التنمية المستدامة» ويرتبط هذا الهدف مع توجهات الرؤية الوطنية 2030 في الحفاظ على البيئة والمقدرات الطبيعية.

يا صاحبي إن المدن الصديقة للبيئة لا تعني زراعة الأشجار في الشوارع أو تخصيص مناطق خضراء وحدائق، بل تطوير العلاقة التكاملية بين العمران والبيئة الطبيعية كتوجه وسياسة في تخطيط المدن. ومع ذلك، فإن الإشكالية تكمن في بناء الخطة الاستراتيجية التكاملية بين النمو العمراني والبيئة الطبيعية فهما في معظم الأحوال على طرفي نقيض لا يجتمعان في كثير من المدن، حيث يزحف العمران غالبا على حساب المناطق الطبيعية ليزيلها أو يدير العمران ظهره عن تلك المناطق لتصبح مرمى للنفايات ومخلفات البناء. وتغيب عندئذٍ ملامح الأودية والهضاب أو التكوينات الطبيعية الفريدة والتي كان من الممكن استغلالها كمنتزهات وطنية أو إقليمية في قلب المدن أو حتى كمناطق طبيعية تتداخل مع نسيج الأحياء السكنية القائمة. لقد تاثرت المناطق المتاخمة وخارج المدن سلبا بالحيازات الخاصة وتعديات المخيمات الترفيهية على مدار السنة، وصاحب ذلك زيادة في كمية النفايات المتولدة وغياب المعالم الطبيعية.

اليوم، تخطو مدينة الرياض خطوات حثيثة لتأهيل المناطق الطبيعية ودمجها ضمن السياق الحضري، ويعد مشروع وادي حنيفة شاهدا يعكس الاستغلال الأمثل للموارد الطبيعية، حيث تحول من منطقة مهملة إلى متنزه بري رائد باستخدام طرق وتقنيات ذكية تتلاءم مع البيئة الصحراوية.

حدق صاحبي طويلا وقال: فهمت الآن! انظر إلى سيارتك فهي تعمل كما كانت، وعد إلى مدينتك دون انتظار فهي على موعد مع التطور والازدهار لتكون حديث الأمصار، هذه ليست أسرارا بإذن الواحد القهار. هممت بالمغادرة إلى المدينة وأدرت محرك السيارة وقبل ذلك رجعت إلى صاحبي لأشكره على صنيع معروفه فلم أجده، لعله رحل إلى موعد يحلو فيه اللقاء!

@waleed_zm