محمد أحمد بابا

رفاهية تعدد الخيارات

الأربعاء - 27 يناير 2021

Wed - 27 Jan 2021

سمعت عن مسائل ليس لها حل في الرياضيات رغم جهلي بها، لكن بدت سمتها (عديمة الحل) هي الخيار الأوحد لها، وكذلك فالأبيض والأسود كانا خيارين وحيدين في مشاهدة العروض المرئية رغم زخامة ألوان قوس قزح ومواليدها، لكن المشاهد رضي بذلك لانعدام الخيارات.

نحن نعيش عصرا تعددت فيه الخيارات، بل وتفرعت حتى صارت عقدة اختيار، ومن أراد حسن الالتقاط احتاج للتدريب على مهارات لتحديد الخيار الأمثل دون اقتراحات.

ذلك يقود للاحتمال بأن الرفاهية هي سبب التعدد، فالإنسان يسعى بطبيعته لتحسين وضعه المادي في الأرض ليكون في جنة عن يمين وشمال يختار منها ما يحلو له، وحين جئت على ذكر الجنة تذكرت قول ربي (لهم فيها ما يشاؤون) والمشيئة لا تكون إلا بتعدد الخيارات نحو ذات الفعل لا عدم الفعل، وتلك رفاهية ربانية مقصودة.

خيارات المنتج الواحد، وخيارات شركات ذات المنتج، وخيارات حجمه ولونه ونوعه وطعمه جعلت حيرة المستهلكين والمتسوقين مطمع التاجر وبغية الدعاية والإعلان، فكل يقول عن منتجه إنه مختلف بناء على خيار آخر يمنعه قانون الدعاية من تسميته.

الرفاهية الدنيوية في ذلك رفعت سقف الخيارات المحدودة لتكون ضرورية في حياتنا اليوم بعدما كانت معدومة في غالب الأشياء في زمن مضى، فأي مجال ليس فيه أكثر من خيار للمستهدف أو المستفيد لا مكان له من رغبة الناس ولا من حديثهم أو وجدهم ولهوهم.

بدائل مجالات الدراسة والوظيفة، وتعدد أنواع السيارات، ووجود أكثر من طريق لمنطقة معينة، وتعاقب وسائل النقل على الخدمة مثير للفضول أن يجرب الناس خيارات دون قصد اختيار، بل هو تقليد العقل الجمعي أو جاهزية استشراف التجربة لا غير.

الفقير الجائع رغم تعداد أمثاله بالملايين في هذا العصر لا يملك من مهارة الاختيار بين شيئين، فما بالك بأكثر من ذلك، فهو يستهلك ما يجده دونما تفكير في حل آخر أو حتى نوعية أخرى، إذ هو ينظر لمن يمتلك مهارة الاختيار ولو مع انعدام الشأن نظرة حسد إن لم يتبع ذلك حنق المساكين على الأثرياء.

في المجال النفسي وإدارة الذات وحتى الوعظ والإرشاد يهزّ المتحدثون نفوس المخاطبين بإسقاط اللوم عليهم والقول لهم: أنت ممن اختار؟ في بعض إيهام أنه كان بإمكانهم اختيار طريقا ذا نتيجة أخرى، والحق الغالب بأن رفاهية الخيارات وتعددها يقتضيان تساوي الحث نحو المختار، لتكون جاذبيته هي الفيصل، لكن طغيان التأثير والعوامل الاجتماعية وغيرها تمنع سهولة الاختيار وتصل لدرجة أن يكون الخيار الآخر معدوما ولو كان واضحا.

أظن أن تعدد الخيارات دونما نمط ترتيب وتنظيم من سلبيات تطوير الفكر العقل البشري، حيث يضعه فريسة التردد الذي يأكل الوقت ويستهلك الجهد العقلي فيما لا طائلة من ورائه دون حرية تركيز.

ثم إن خيارات الشعور ليست ذات فلسفة مادية كما هي خيارات الأخذ أو الإمساك، فليس في الحب ولا الكره ولا الحزن ولا السعادة رفاهية، وإن كان كل منهما ذا خيار ونقيضه، ووطأة العلامات الدالة على الخالق سائقة للإيمان مع بقاء خيارات هداية للنجدين، إنما الرفاهية في تعدد الخيارات هي تسليط النفس على وحدات ذات شأن أصلي واحد في مشيئة متحدة.

بقي أن أزعم بأن ديموقراطية الاختيار في مرشحي الانتخابات هي رفاهية بيروقراطية، بشهادة حملات الدعاية الانتخابية التي تسعى لكسب حد أقصى من حسر تعدد الخيارات مناقضة أصل التوجه والحريات والإتاحة.

albabamohamad@