X
سالم الكتبي

مسؤولية التوتر المزمن في الخليج العربي

السبت - 09 يناير 2021

Sat - 09 Jan 2021

لا شك أن العالم أجمع يتابع في هذه الآونة أنباء التوتر العسكري المتصاعد في منطقة الخليج العربي، جراء التهديدات الخطيرة التي أطلقها نظام الملالي الإيراني بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لاغتيال القائد السابق لفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني، حيث ارتفع بقوة منسوب التوتر، ولا سيما في ظل توقعات بأن يتخذ الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترمب قرارا بتوجيه ضربة عسكرية خاطفة للمنشآت النووية الإيرانية قبل العشرين من يناير الحالي، حيث يفترض أن يتسلم السلطة في البيت الأبيض الرئيس المنتخب جو بايدن.

الحقيقة أن الملالي يلعبون دورا رئيسا في تفاقم التوتر في منطقتنا، ليس فقط بسبب الميول الانتحارية والعسكرية التي تطغى على ممارسات هذا النظام، ولكن أيضا لأنه نظام اعتاد ممارسة سياسة «حافة الهاوية» في إدارة كل الملفات ومعالجة كل الأزمات التي يتعرض لها، وهذه السياسة تمثل كارثة بكل المقاييس على بيئة الأمن الإقليمي، وكذلك الأمن والسلم الدوليين، فالملالي يفضلون دوما إطلاق التهديدات، سواء باتجاه دول الجوار واحتمالية استهداف المصالح الأمريكية في هذه الدول، أو باتجاه التلويح بورقة الميليشيات الطائفية التي يمولها ويسلحها الملالي في دول عربية عدة، وتلعب أدوارا خبيثة وتخوض حروبا بالوكالة لمصلحة الملالي وأهدافهم التوسعية التي لم تعد تخفى على أي مراقب موضوعي.







البعض يرى في تهديدات الملالي المتزايدة هذه الأيام رغبة حقيقية في الانتقام لمقتل الجنرال سليماني، فيما يرى آخرون أنها تعكس مستوى عاليا من الخوف والقلق من التعرض لضربة عسكرية مفاجئة تجهض برنامجهم النووي، أو على أقل التقديرات تتسبب في تعطيله لعقود وسنوات طويلة مقبلة، بينما يرى فريق ثالث أن هذه التهديدات ليست سوى رسائل لردع الولايات المتحدة عن اتخاذ أي قرار عسكري مباغت.

ولأنني أعد نفسي متابعا جيدا للسياسة الإيرانية، فإنني أعتقد برجاحة الرأي الثاني، وهو إحساس القلق والخوف العارم الذي ينتاب صفوف قادة الملالي في الأيام الأخيرة من ولاية الرئيس ترمب، لأنهم آثروا منذ اغتيال سليماني الرهان على حدوث تغير هيكلي في المواقف الأمريكية في حال فوز رئيس ديمقراطي بالانتخابات الرئاسية، وهذا ما حدث بالفعل، وفاز الرئيس بايدن، متبنيا موقفا لا يزال يكتنفه كثير من التساؤلات حول العودة إلى الاتفاق النووي، وإلغاء قرار ترمب بالانسحاب منه، من ثم فلم يتبق أمام الملالي لإثبات صحة رهانهم سوى أسبوعين أو أكثر قليلا، وليس من المنطقي المغامرة في هذه الفترة بضياع نتائج صمتهم طيلة عام مضى على اغتيال قائدهم الأثير!

الحقيقة أن نظام الملالي يتسبب منذ عام 1979 في إشاعة جو من عدم الاستقرار وغياب الأمن في منطقة الخليج العربي بشكل عام، وهذا الأمر لم يعد ممكنا السكوت عنه، لأن الشواهد تؤكد أننا بصدد نظام انتحاري لا يمتلك أي مشروع تنموي ولا رؤية استراتيجية لإعادة تموضع بلاده في إطار نظام إقليمي يضمن لشعوب المنطقة ودولها بيئة استراتيجية مناسبة للتنمية والتقدم والتطور، من ثم فكل ما يخرج به عبارة عن برامج تسليحية ـ نووية وصاروخية ـ وأسلحة مختلفة يزود بها الميليشيات الطائفية التي يمولها من عائد صادرات النفط والغاز الإيرانية.

وليس هناك أي أفق لنهاية هذا المشروع القائم على أهداف توسعية تتجاهل مبادئ الأمم المتحدة وميثاقها، وتنتهك سيادة دول الجوار وتتدخل في شؤونها، بل تقوم باحتلال أراضي دول أخرى ويتفاخر مسؤولوها في وضح النهار وفي تحد سافر للقانون والشرعية الدولية باحتلال عواصمها وتحويلها إلى مراكز تابعة لنظام الملالي!

والحقيقة كذلك أن خصوصية منطقة الخليج العربي بما تمتلك من مخزونات هائلة لمواد الطاقة التي تهم العالم أجمع، تتطلب بلورة استراتيجية عالمية للحفاظ على الأمن والاستقرار وحماية الممرات والمعابر المائية في هذه المنطقة، وردع الميليشيات والتنظيمات العسكرية التي تمثل تهديدا خطيرا لحركة الملاحة البحرية في الخليج العربي بين الفينة والأخرى، ورغم أن هناك شبه توافق دولي حول ضرورة هذه الخطوة، لكن يبقى تضارب المصالح وتعارضها وتداخلها بين القوى الكبرى العائق الأكبر أمام بناء أرضية مشتركة يمكن أن تنطلق منها وترتكز عليها مصالح الجميع.

والنتيجة في ظل هذا الوضع المؤسف أن منطقة الخليج العربية باتت رهينة للفوضى والاضطرابات التي يثيرها نظام الملالي الإيراني، وهذا يؤثر لا محالة في مصالح دول المنطقة وشعوبها، ما يتطلب من المجتمع الدولي، بقواه المختلفة، ضرورة التصدي لهذه الظاهرة من خلال التعاون وتنسيق الجهود والعمل المشترك من أجل إجبار هذا النظام على الانصياع للقوانين والمعاهدات الدولية، ولا سيما تلك المتعلقة بحظر الانتشار النووي، وعدم ترك الفرصة للملالي كي يواصلوا خططهم التوسعية باستغلال حالة الانقسام والخلاف الدولي القائم بين القوى الكبرى حول سبل التعامل مع هذا النظام.

لا يمكن لأي منطقة في العالم أن تعيش في ظل توتر عسكري مزمن، وهناك علامات استفهام عديدة حول الصمت الدولي إزاء ممارسات نظام يرتهن أمن منطقة برمتها لأحلامه التوسعية، التي تبشر بضياع عشرات الملايين من الشباب الإيراني الذي يكاد يصاب باليأس بعد فشل محاولات التخلص من هذا النظام الذي يجثم على نفوسهم.

@drsalemalketbi