X
عبدالله الزرقي

أمي التي رحلت!

الخميس - 24 ديسمبر 2020

Thu - 24 Dec 2020

رغم فقداني لها قبل أن تكتحل عيناي برؤيتها أو حتى معرفة تفاصيل وجهها أو أتنعم في حضنها وأتلمّس يديها على وجهي أو أشعر بقبلتها على جبيني، فقد عاشت في داخلي وكبرت وكبر حبي الأبدي لها، حتى صرت أحادثها في كل همسة وفكرة، وآخذ رأيها وأبتسم لفرحها الذي تبعثه داخلي من خلال محاكاتي لها عبر أثير المقابر.

أمي التي رحلت صنعت مني رجلا يعتمد على نفسه، وأبا حانيا وزوجا محبا ورجلا فعالا قويا مخلصا لوطنه، لأن أمي هي الوطن الكبير الذي عاش داخلي.







أمي التي زرعت ألما وجرحا غائرا في أعماق نفسي برحيلها عني مبكرا لا يعالج ألم فقدانها إلا الموت والالتقاء بها عند رب رحيم.

ذلك الانتظار الموعود والمحتوم بأن ألتقيها وأتفيّأ تحت ظل قدميها وهي تربت على رأسي بعد أن أحتضنها بشوق وجنون، وأقبل قدميها والثرى الذي تمشي عليه.

أمي هالة من نور وبهاء وضياء أضاء حياتي حتى بعد رحيلها، بعد أن انطفأت أضواء الكون كله إلا ضوء أمي.

رحلت عن دنياي لكنها لم ترحل من أعماقي بذكراها.

حتى ذكراها لم أسعد بمعرفتها لأني لم أعش تلك الذكرى ولو للحظة من العمر، ورغم ذلك كله فهي إلهام يلفني من كل جانب، ونسيم عطرها يداعب قلبي وجوارحي بكل دقة قلب تنبض في داخلي.

لا تسألوني عن أوصاف أمي! فهي عنوان الجمال والكمال، وهي دستور حياة ومنبر صلاة ووجهة أتقرب إلى الله بحبها.

قالت لي أمي عبر أثيرها: لا تجزع يا حبيبي ولا تبتئس، إني بعيدة عنك في عالم البرزخ، لكن أشاهدك وأنا حولك أحرسك وأدعو الله لك بأن يحفظك من كل مكروه، وأن يجمعني بك في الفردوس الأعلى.

هكذا هي أمي حتى في مماتها تتمنى لي أحسن ما عند الله من نعيم مقيم. هذه أمي التي لم أحظ حتى برؤيتها في منامي، أشعر بصلاتها ودعائها وفرحها وترحها من أجلي.

هل لديكم أم مثل أمي؟! تبعث فيكم الحياة والأمل وهي في قبرها تتنعم بروضة من رياض الجنة، ومع ذلك قلبها الكبير يتابعني ويقلق علي ويتحسس أحوالي.

كنت وما زلت طفلا في السابعة من عمري، وكان أول درس لي في المدرسة حينما وجه المعلم سؤاله لأقراني فردا فردا: ماذا تقول لأمك عندما تصحو من نومك؟ وكلهم أجابوا: نقول لها صباح الخير يا أمي، إلا أنا، وقفت وقطرات

دموعي تسبقني، لأرد على سؤال معلمي الذي أصابني في مقتل: كل صباح أقول لها إلى اللقاء يا أمي.

كبرت وكبرت أمي في داخلي وصرت أخاطبها في كل صغيرة وكبيرة، وآخذ رأيها في كل شاردة وواردة، وكانت تبتسم دوما مرددة قولها: فليحفظك الله يا بني وليوفقك الله يا حبيبي وليرضى عنك ربي.

هذه أمي التي تبعث برسائلها الإيجابية إلى أعماق نفسي، حتى وهي داخل قبرها. لم تنسني ولم تتخل عني وهي وهج حياتي اليوم وغدا وحتى مماتي.

غفر الله لك يا أمي، وأسبغ عليك شآبيب رحمته، وجعلني الله ممن كسب برّك ودخل الجنة بشفاعتك لي. لا أقول وداعا يا أمي ولكن أقول: إلى اللقاء.

@unzorgi