X
مرزوق بن تنباك

الحل مرحلة من الصمت الطويل

الثلاثاء - 22 سبتمبر 2020

Tue - 22 Sep 2020

المحو الذي يمر به العالم العربي غير مسبوق في العصر الحديث وإن كانت أسبابه معروفة منذ زمن بعيد، منها أسباب ورثها المجتمع من الحقب البعيدة في تاريخه وتكوينه وبنيته الديموغرافية الموروثة وموقعه الجغرافي الوسيط وثقافته التقليدية، ومنها أسباب أحدثها الاستعمار الذي جاء بعد الحرب العالمية الأولى، وغذتها فترة الانتداب الطويلة نسبيا، وخلقت روح الانكسار والتبعية التي لازمت الأجيال فترة طويلة واستمرت حتى الوقت الحاضر، وثالث الأسباب طبيعة الاستقلال المشروط وأدلجته التي أضاعت التوجه السليم نحو المستقبل الحر القوي المستقل، وأضفت ضبابية على معنى الدولة القطرية أو الدولة الشمولية وأيهما يكون أصلح للناس، وعدم الفرز الصحيح بينهما.

ورغم أن هذا كله مضى وانتهى إلا أن الحديث عنه والبحث العميق في ما صار إليه العرب يحتاج إلى موقف شجاع من كل طبقات المجتمع العربي، من الساسة أولا، ومن المثقفين ومن العلماء الاقتصاديين وكل الفعاليات التي تهتم بالدراسات المستقبلية، ووضع الماضي القريب بين الأيدي وتحت الأعين لتصح المقارنة بين الحال الذي كان عليه مع سوئه، وبين ما وصل إليه مما هو أسوأ، فقد كانت هناك دول قبل سنوات، قطرية قائمة مع ما فيها من حالات الضعف والانحدار وعوائق التنمية، فمثلا هناك في العراق دولة قطرية وفي سوريا مثلها وفي ليببا كذلك وفي اليمن وفي السودان والصومال، وفي لبنان دول قائمة على أي حال كانت.







ذهبت هذه الدول وتحللت إلى عصابات وكنتونات وحروب قبائلية وحزبية وطائفية، وتمزقت أجزاء الدولة إلى محاصصة بين الطوائف والأحزاب، ولم يعد لها رأس واحد، بل صارت تقاد برؤوس ثلاثة، وهذه الرؤوس الثلاثة للدولة هي الاختراع العظيم الذي صنعته فرنسا في لبنان، خاصة عندما منحته الاستقلال حين حددت هوية رئيس الدولة وهوية رئيس الوزراء وهوية رئيس البرلمان طائفيا ثم عملت على تثبيت هذا التقسيم وأبديته.

ولما جاء بريمر بعد ستين عاما ودمر دولة العراق اقتبس الاختراع نفسه الذي كان في لبنان، وحدد هوية الرؤوس الثلاثة في الدولة العراقية لتكون قيادتها بثلاثة رؤوس أيضا، فرئيس الدولة حدد ومثله رئيس الوزراء والبرلمان على أسس طائفية وجهوية لم يكن يعرفها العراق العظيم، واليوم يحاولون تطبيق الاختراع نفسه في ليبيا برؤوسه الثلاثة، وهو ما سيضمن دوام التنازع والاختلاف وخلق التقسيم الأبدي في المجتمع تبعا لرؤوس الدولة المتشاكسة.

والسؤال: لماذا حصل التقسيم والمحاصصة الذي لا يوجد إلا عند العرب؟ وما نتائجه؟ وكيف المخرج والخلاص منه؟ وما الدوافع له؟ ومن المستفيد منه؟

أولا، لمعرفة الأسباب ومعرفة بواعثها ثم البحث عن العلاج ولو بالكي أو على أقل تقدير وقف التدهور العربي قبل أن يفقدوا الحس الذي يشعرهم بفداحة المأزق الذي يعيشونه؛ لا بد أن يكون لدى القادرين منهم على التصور للمستقبل والمهتمين في الدراسات الاجتماعية والسياسية ومستقبل أجيالهم رأي يطرح وقول يذاع على الناس، فلم يعد الأمر قضية عابرة ولا موقف جماعة أو حزب، ولكنه حالة عامة في الوطن العربي من الخليج إلى المحيط.

التشظي الذي نراه ليس له سبب واحد نعزوه إليه كما كنا نفعل من قبل حين نعزو مآسينا للغرب والشرق، ونحملهم مسؤولية ما أصابنا حتى وإن كان بعضه حقيقة، لكن ما يجب البحث فيه هو ما نقوم به من أعمال مساعدة على هذا المحو الذي نراه في كل شيء في واقعنا، نحن لا نريد أن نزيد اللوم والبحث عن الأعذار، فقد كتب ما يكفي من ضروب النقد والنصائح والاجتهاد لدى كل مرحلة نصل إليها في مسارنا الطويل نحو التشتت والضياع في مراحل التشظي والتفكك التي تأتي مرحلة بعد أخرى.

نريد الآن وقد وصلنا إلى ما وصلنا إليه مرحلة صمت؛ صمت طويل نراجع فيه ماضينا القريب ونعيد النظر ونكرر المراجعة والتأمل فيما صرنا إليه، بالصمت قد نحفظ المظهر الخارجي قبل أن تكشف البذاءات التي يتفوه بها التافهون عن هزيمة أخلاقية ومعنوية هي آخر ما يستطيعون.

@Mtenback