محمد العطية

التعليم عن بعد وتقليص سنوات الدراسة!

الخميس - 14 مايو 2020

Thu - 14 May 2020

التعليم عن بعد (Distance Learning) يعتمد مفهومه الأساسي على وجود المتعلم في مكان يختلف عن مكان المصدر وهو المعلم.

اليوم أصبح التعليم الالكتروني عن بعد حقيقة مطبقة على أرض الواقع، سواء في التعليم العام والتعليم العالي، ولذلك نحن أمام معادلة جديدة يجب إعادة موازنتها لصالح الطالب، بما يتواكب مع المرحلة المستقبلية، لما يوفره من مرونة في الوقت واستغلال للموارد وتقليل في التكاليف المهدرة، وبالتالي تحقيق كفاءة الإنفاق.

حديثي هنا ليس عن الطالب، أو المعلم، أو المنهج، أو البيئة الدراسية، أو البنية التحتية! حديثي هنا يتعلق بالإطار الزمني للمراحل الدراسية للعملية التعليمية، التي تبدأ عندما يصل عمر الطفل أربع سنوات: يلتحق بالروضة (1-سنة)،التمهيدي (1-سنة)، الابتدائية (6 سنوات)، المتوسطة (3 سنوات ) ثم الثانوية (3 سنوات )، أي (14) سنة في التعليم العام، ثم السنة التحضيرية (1- سنة)، ثم الجامعة (4-6 سنوات)، وبجمع هذه السنوات نجد أن الطالب قضى نحو 20 سنة من عمره في الدراسة فقط، أي يتخرج في الجامعة وهو في عمر نحو 24 سنة وللعلوم الطبية في عمر 26 سنة!

إن المراحل التعليمية مترابطة ومتراكمة وبعضها يقوم على بعض، لذا يجب النظر في كامل السلسلة التعليمية وإعادة التخطيط بالتركيز على نواتج التعليم وإلغاء الحشو والتكرار والزائد، لينتج عن ذلك تقليص للمواد الدراسية التي تؤدي إلى تخفيض عدد سنوات الدراسة، كما أن الجمود على وضع سابق ليس له مبرر، فليس بالضرورة أن يكون العام الدراسي 12 شهرا وتكون الدراسة 9 أشهر والإجازة 3 أشهر، ويمكن اختصارها إلى 8 أشهر للدراسة وشهرين إجازة، لنوفر نحو 3 سنوات خلال مدة الدراسة الممتدة 14 سنة للتعليم العام، وكذلك في التعليم العالي يمكن تقسيم العام الدراسي إلى ثلاثة فصول دراسية في السنة، ولإعادة برمجة وجدولة العام الدراسي من جهة وتقليل سنوات الدراسة من جهة أخرى ليس بالضرورة التنظير والاستغراق في الدراسات الاستراتيجية والمقارنة مع دول أخرى للمضي قدما في اتخاذ القرار المناسب.

كذلك إن أزمة عدم الثقة من قبل التعليم العالي في مخرجات التعليم العام الذي تولد إثره ما يسمى بالسنة التحضيرية أضاف سنة عمرية دراسية أخرى لعمر الطالب، لذا يجب إعادة النظر فيها وإلغاؤها ومعالجة متطلباتها من خلال مراحل التعليم العام.

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم «أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين، وأقلهم من يجوز ذلك» وهذا يعني أن الطالب يقضي أكثر من ثلث عمره على مقاعد الدراسة النظرية بعيدا عن الواقع الفعلي للعمل.

لقد صرح معالي وزير التعليم بشفافية عالية خلال أول ورشة عمل بمقر الوزارة جمعته بقيادات التعليم بتاريخ 12 يناير 2019 أن هنالك هدرا يقارب 4 سنوات من 12 سنة من عمر الطالب خلال مرحلة التعليم العام، وهذا يعني إدراك أكبر مسؤول في الوزارة لأهمية معالجة الفاقد التعليمي.

في السابق لم يؤخذ التعليم عن بعد بعين الاعتبار كعامل مؤثر عند تحديد الإطار الزمني لمراحل التعليم، أما اليوم فقد اختلفت المعادلة وأصبح وسيلة لحل كثير من المشاكل المرتبطة بالمكان والزمان والمعلم أو المحاضر، وهو واقع ممارس، وفيه مرونة عالية تمكن الطالب من استغلال الوقت بشكل مثالي حتى خارج وقت اليوم الدراسي وفي الإجازات.

لذا فإن تصنيف (Classification) المقررات الدراسية النظرية، والتطبيقية وتحديد ما يمكن تعليمه عن بعد بحسب معايير مدروسة بالتكامل مع التعليم التقليدي وتفعيل دور الأسرة، سوف تعطينا قائمة طويلة بالمواد الدراسية التي كانت تعطى خلال عدة فصول دراسية والآن بالإمكان تقديمها بالتتابع من خلال التعليم عن بعد، وهذا يعني أيضا أن المادة التي كانت تدرس في التعليم العالي من قبل محاضر في كل جامعة (29 جامعة حكومية) ممكن تدريسها عن بعد من محاضر واحد ونافذة واحدة لعدد غير محدود من الطلبة من مختلف الجامعات، ومثال على ذلك تدريس مادة (101 xxx) التي لا تحتاج دراسة تفاعلية، وليس هنالك تطبيق عملي، وتُدرس في كل الجامعات من قبل محاضر مختص في كل جامعة، ماذا لو جرى تدريسها عن بعد من خلال محاضر واحد لكل طلبة الجامعات بنات وأولادا؟

إن التركيز على حل المشكلات التي يواجها الميدان التعليمي كفيل بتقليل العبء الدراسي على الطالب، ومثال على ذلك مشكلة إتقان اللغة الإنجليزية التي تصاحب الطالب في التعليم العام وتنتقل معه إلى التعليم العالي، حيث تعد مشكلة مستديمة واضحة للعيان، ولا بد من إيجاد حل جذري لطريقة تدريسها ننتهي فيه من الهدر المادي والزمني المستمر.

كما أن قدرات الطلاب تتفاوت والتعليم عن بعد يتيح للمجتهدين والمواهب والعباقرة أن يتعلموا وفق جهودهم المبذولة وقدراتهم الخارقة، وبالسرعة التي تناسبهم، وأن يستغلوا أوقاتهم بشكل مثالي يمكنهم من قطع أشواط دراسية أكثر من غيرهم.

ولله الحمد تتمتع المملكة العربية السعودية ببنية تحتية تقنية متقدمة جعلت التعليم عن بعد ليس مشكلة تواصل تقني بل إرادة تطبيق، ويجب أن نسارع الخطى لوضع خطة مستقبلية تحقق كفاءة الإنفاق وتشمل التشريعات القانونية والتنظيمية، ومعالجة قضايا التطبيق العملي وكيفية التحقق من هوية الأشخاص وسلامة الاختبارات عن بعد، والتقييم والتجهيز التقني والوعي بالأمن السيبراني.

إن رؤية المملكة (2030) عمادها الشباب، والإنسان هدف التنمية ووسيلتها، وعند انخراط الشباب في العمل وهم في سن مبكرة سوف يمنحهم هذا سنوات عمل أطول، وبالتالي إنتاجا أضخم، لذا التعامل مع المتغيرات المستقبلية والتحديات التي نعيشها تتطلب أن تخطو وزارة التعليم خطوات طموحة مبتكرة نحو تقليص سنوات الدراسة في التعليم العام والتعليم العالي، ليتخرج الطالب في سن السادسة عشرة من الثانوية وفي سن العشرين من الجامعة.

وخلاصة القول: إن تخفيض عدد المقررات الدراسية وسرعة التحول الرقمي وتوظيف تقنية التعليم عن بعد يمكن أن توفر أربع سنوات من عمر الطالب على المقاعد الدراسية.

@mattiah8