X

عبدالله زايد

ثمن التطور الفادح!

الأربعاء - 04 مارس 2020

Wed - 04 Mar 2020

إن أمعنا النظر جيدا فإننا سنلاحظ متلازمة كانت دوما حاضرة مع القفزات التي شهدتها البشرية عبر تاريخها الطويل، وهي حضور الابتكار بشكل مستمر للدفع بعجلة التطور نحو الأمام؛ على سبيل المثال في إنجلترا، اختراع المحرك البخاري في منتصف القرن الثامن عشر، أدى لنتائج مذهلة عدة غيرت حياة الناس وبدلت أولوياتهم، ظهرت السكك الحديدية فضلا عن التوسع في إنشاء المصانع، وبطبيعة الحال هذه المجالات الخدمية الاستثمارية الجديدة تحتاج لليد العاملة، فمنحت رواتب ومغريات لاستقطاب العمال من كل مكان، إثر ذلك حدثت هجرة أو شبه هجرة من الريف إلى المدينة، وترك المزارعون حقولهم وأراضيهم التي عاشوا من ثمارها لعقود طويلة، تركوها وتوجهوا إلى العمل في هذه الأنشطة الاقتصادية الجديدة، حصلوا على مردود مادي أكبر، ومن خلاله تعزز استقرارهم في المدن وحدث ما يشبه القطيعة مع الريف ومع أراضيهم الزراعية.

لكن الابتكار والتطور الحضاري لم يتوقفا هنا، ومن غير المتوقع أن يتوقف إطلاقا، ففي نهاية القرن التاسع عشر، دخل مخترع جديد وهو محرك الاحتراق الداخلي، وهي الحقبة التي يطلق عليها الثورة الصناعية الثانية، وهذه الآلات الجديدة أدخلت مفاهيم مختلفة، فقد كانت قادرة على إنتاج مزيد من المواد على اختلاف أنواعها، سواء غذائية أو صناعية أو غيرها، مع حاجة أقل لليد العاملة، وهنا بدأت تظهر مفاهيم جديدة مثل البطالة والطبقة العمالية الكادحة وحدثت ضغوط كبيرة على الأسر.

هذا العرض السريع والموجز جدا، كان مهما لفهم أثر التقنيات والتطورات على الناس، لنفهم ما يحدث في عصرنا الحالي في ظل ثورة الاتصالات الحديثة، وكل هذا التطور في مجال شبكة المعلومات العالمية، وما تفرزه من تطبيقات وبرامج ومواقع نقلت الناس إلى الواقع الافتراضي بشكل دائم ومستمر، بل جعلته جزءا لا يتجزأ من مختلف تعاملاتهم وطرق عيشهم وباتت هي الوسيلة في ترابط وتواصل الناس بعضهم مع بعض.

المختلف في هذه الحقبة التي نعيشها هي أننا وسط ثورة لم تخمد أو لم تتوقف بعد، بمعنى أننا ما زلنا في بداياتها الأولى، ومع هذا فإننا نلاحظ أثرها المدوي على مختلف مفاصل المجتمعات، ونلاحظ ما أظهرته من عادات جديدة وقيم غير معهودة، فضلا عن تعزيزها لعادات الاستهلاك المعرفي والإدمان على المعلومات العامة التي لا فائدة منها.

أقول بأننا وسط هذه الثورة لأننا نرى بوادر تطويرات أعظم، خاصة فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي، وهو إحدى إفرازات شبكة المعلومات العالمية الانترنت، وحقبة ذكاء الآلة تحديدا يتوقع أن تكون مدوية بكل ما تعني الكلمة، لأن عمليات إلغاء كثير من الوظائف ستكون واقعا لا مناص منه، وهو ما يعني تزايدا في أعداد الخروج من سوق العمل لأناس في أوج نشاطهم والاستعداد الجسدي، وبوادر مثل هذه الحالة بدأ رصدها وملاحظتها وستتزايد الأعداد دون شك. هذا في أحد أهم اهتمامات الناس وهي الوظيفة والعمل، وهناك مجالات أخرى لا تقل أهمية مثل التربية والتعليم، والتي دون شك ستتأثر هي الأخرى.

إن أمعنا النظر فإن البشرية طوال عمرها المديد مرت بكثير من التغييرات، وكانت رحلات التطور مستمرة، ونجح الإنسان في كل مرحلة تاريخية في التكيف ومسايرتها، وهذه الحقبة - ثورة الاتصالات وعصر ذكاء الآلة - لن تكون بمعزل أو استثناء، لكن السؤال الحقيقي عن فداحة وعمق الثمن الذي ستدفعه البشرية لاستيعاب هذا التطور تحديدا.

abdullahzayed@

أضف تعليقاً

Add Comment

مقالات ذات صلة