خطب الجمعة

الجمعة - 24 يناير 2020

Fri - 24 Jan 2020

اتباع الهوى

«إذا كان في الناس من يحمله الاغترار بالحياة الدنيا، والإخلاد إلى الأرض واتباع الهوى، والجهل بصحيح الاعتقاد إلى الخوف من كل ما يعده خطرا يدهمه، أو شرا ينزل بساحته، أو عائقا يقوم دون بلوغ آماله والظفر بحاجاته، فإن من عباد الله من يسلك الجادة ويمشي سويا على صراط مستقيم، مجانبا سبل أهل الحيرة والتذبذب، حائدا عن طريق أهل الشك وضعف اليقين، إنهم الذين يسيرون إلى الله تعالى سير من عرف ربه فأقبل عليه، لا يخاف أحدا سواه، ولا يرجو إلا إياه، مستيقنين أن منزلة الخوف هي من أجل منازل العابدين ربهم، المستعينين به، وأنفعها للقلب، وأعظمها آثارا على حياة الخلق في العاجلة والآجلة، وأنها فرض على كل بني آدم.

أثنى سبحانه بجميل الثناء على أهل هذا الخوف ومدحهم بقوله سبحانه: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون، والذين هم بآيات ربهم يؤمنون، والذين هم بربهم لا يشركون، والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون، أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون)؛ ذلك أنهم ـ كما قال الحسن رحمه الله ـ عملوا بالطاعات، واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم.

إن المؤمن جمع إحسانا وخشية، وأن المنافق جمع إساءة وأمنا، أي من العقوبة وأثنى الله سبحانه باتصاف الملائكة المقربين بهذه الصفة، فقال سبحانه: (يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون)، وأثنى على النبيين ـ صلوات الله عليهم وسلامه أجمعين ـ حيث امتدحهم لاتصافهم بهذه الصفة بقوله: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا).

لما كانت الخشية خوفا مقرونا بمعرفة وعلم، فإنه على قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد الخلق خوفا من ربه، وأعظمهم خشية له، كما صرح بذلك في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه في قوله عليه الصلاة والسلام «فوالله، إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية»، وفي لفظ لمسلم في صحيحه «والله، إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقيه»، ولذلك أيضا وصف الله تعالى العلماء به سبحانه بأنهم الذين يخشون الله حقا، فقال سبحانه «ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور».

إن الخوف ليس مقصودا لذاته، بل هو مقصود لأمر آخر، فهو وسيلة وطريق وليس غاية أو هدفا، فإنه يرتفع بارتفاع المخوف منه؛ ولذا كان من حال أهل الجنة أنهم لا خوف عليهم ولا يحزنون فيها؛ لزوال الخوف من العقاب، وحلولهم دار المقامة والثواب، فضلا من الله تعالى وإكراما منه لهم، جزاء صبرهم على طاعته، وحذرهم من معصيته؛ ولهذا كان الخوف المحمود الصادق».

أسامة خياط ـ إمام وخطيب المسجد الحرام

مكانة المدينة المنورة


«الله تعالى يختار للفضل محلا ومكانا كما يختار له وقتا وأهلا وأعوانا، وفضل الله بعض البقاع، فكانت مكة المكرمة أشرفها وشرف المدينة بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم فمنها انتشر الإسلام وفيها مدفنه صلى الله عليه وسلم. إن ما بين لابتي المدينة حرام فهي مأرز الإيمان وملاذه. إن الله تعالى شرف المدينة ولعن من أحدث فيها أو آوى محدثا.

إن من أسماء المدينة مأرز الإيمان والدار والإيمان، فبالمدينة تواتر نزول القرآن وفي المدينة شرعت الأحكام ومن المدينة انطلقت رايات الإسلام. عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها».

المدينة درع منيع وحصن حصين، وتنفي خبثها وينصع طيبها وتحرسها الملائكة على أنقابها، لا يدخلها رعب المسيح الدجال ولا الطاعون، وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة، وليس نقب من أنقابهما إلا عليه الملائكة صافين تحرسهما، فينزل بالسبخة، فترجف المدينة ثلاث رجفات، يخرج الله منها كل كافر ومنافق». عن أبى هريرة قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال».

إن المدينة لا يقيم بها صاحب خبث أو كيد. عن عائشة بنت سعد، قالت: سمعت سعدا رضي الله عنه، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول لا يكيد أهل المدينة أحد، إلا انماع كما ينماع الملح في الماء).

وتنفي المدينة خبثها، فعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال رسول الله صلى عليه وسلم «إنما المدينة كالكير تنفي خبثها، وتنصع طيبها»، ودعا النبي صلى الله عليه وسلم بمثلي ما دعا إبراهيم لمكة. عن عباد بن تميم عن عمه عبدالله بن زيد بن عاصم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة وإني دعوت في صاعها ومدها بمثلى ما دعا به إبراهيم لأهل مكة».

عبدالله البعيجان ـ إمام وخطيب المسجد النبوي

الأكثر قراءة