فيصل الجهني

(السفر): سياحة أم (حياة)..!

السبت - 07 مايو 2016

Sat - 07 May 2016

لم يستشرني أحد في السفر للسياحة أو المكوث في الأرض (المباركة).. بلادنا (الحبيبة)، إلا وهجت و(مجت) وتيقظت كل حواسي عجبا ودهشة، من الذين ذهبت أعمارهم، وهم لم يغادروا مساكنهم إلى بلاد الله في العالم الرحيب..! وهل (هذه) تحتاج إلى (استشارة)؟! هل سمعتم ببلبل يتردد، قبل أن يطلق تغاريده العذبة في الفضاء المعجون بالألق والدهشة؟ هل عرفتم شاعرا يتقصى احتمالات القول، قبل أن يطلق غواياته الساحرة؟ هل رأيتم نهرا يسأل الأرض حالات الانهمار، قبل أن يصب تياره العذب في النفوس الصاديات؟!

(1) طبعا.. يا أخي، سافر وسافر.. إلى آخر مدى.. ولا تمل من حمل (حقائبك) في كل مطارات الدنيا..! وما الحياة سوى (رحلة) أبدية التحولات! سافر يا صديقي، ففي العمر متسع (دائما) للاكتشاف والحياة والغناء. ثق - تماما- أن ثمة (مطرا) لم يبلل جسدك (الجاف) بعد.. وأن ثمة (ليلا) لم يصبك بالشجن والحنين بعد، وأن ثمة (نهارا) لم تستوعب (حقيقة) أحداثه بعد.. وأن ثمة (أغنية) لم تشجك نداءاتها (الخفية) من قبل ومن بعد..!

السفر يا صاحبي ليس (متعلقا) لغويا، نكمل به تمام (الجمل)، وإنما هو (المسند) الضروري لبناء (كل) الكلام الذي قيل والذي لم يقل بعد! السفر يا صاحبي ليس شعورا بالمتعة يحرضنا عليه (المستمتعون)، وإنما هو الشعور (بالخصب) و(بالحياة)، والاستجابة التي لا تتوقف لنداءات الجسد، بحثا عن ماء يبلل (الأوردة) اليابسة، وطعام (يرمم) الأجساد الخاوية!

(2) السفر يا صاحبي (المقيم) هو الذي (يجدد) علاقتنا بالشمس والقمر والشجر والنهر، فكأننا نراها لأول (مرة) نقية طازجة، لننادي (ربها) الجليل: أن الحمد للسميع البصير الخالق العظيم.

السفر يا صاحبي (راعي السكون) هو ممارسة (مشروعة) للجماليات الغائبة والفنون (المحرمة)! هو رؤية (التاريخ) متجسدا في الأركان واللوحات والمجسمات والأيقونات، وأنت الذي كنت (تصادفه) في (الصفحات) الصامتة!! هو لقاء الغرباء الأقربين من فرط (الألفة)، وهو الالتقاء من جديد بطاعنين في (الحياة) يرتبون لك عبث التجارب في (ركن) مقهى قديم.. وبعجائز في شرفاتهن القريبة، فيهن ترى أطياف (جدتك) التي فقدتها ذات زمن موجع بالحرمان!

في السفر ترى (الإنسان) كما هو مجردا من صخب التعصبات للأديان والأجناس والأعراق والأعراف والتقاليد.. الإنسان في كامل (ألفته) و(صدقه) مع ذاته إعلانا وإضمارا.. للحد الذي لا ترى فيه - كما ألفت - شخصيتين، تقوض إحداهما الأخرى مع كل مشهد وحدث وموضوع!

ولذلك، فإن السفر هو حكاية (الحقيقة) وليس صناعة (وهم المثاليات)، هو رواية يوميات (الناس) بتفاصيلها الدقيقة الحميمية الآسرة!!

(3) وبعد.. فأظنك يا صاحبي لن (تستشيرني) في مشروع (سفرك السياحي) بعد ذلك، لأني (ربما) لا أجدك (بعد ذلك) في بدايات مواسم (السفر)!!

[email protected]