أماني يماني - مكة المكرمة

فيما كرر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تأكيده أن إيران تقف وراء الهجوم على معملي بقيق وخريص لتكرير النفط، تشير المعلومات الاستخباراتية الأمريكية أن طهران كانت نقطة الانطلاق لشن هجوم مدمر على سوق الطاقة العالمي، حسبما ذكر أشخاص مطلعون لصحيفة ول ستريت جورنال.

وذكر مسؤولون لوول ستريت جورنال أن المسؤولين الأمريكيين شاركوا مع السعودية تقارير الاستخبارات وتقييمهم بأن إيران أطلقت أكثر من 20 طائرة وما لا يقل عن عشرة صواريخ على منشآت النفط يوم السبت الماضي، لكن مسؤولين قالوا إن المعلومات الأمريكية ليست نهائية، وأشارت جهات استخباراتية إلى اعتزامها مشاركة المزيد من المعلومات في الأيام المقبلة.

لكن السؤال المطروح في عدد من الصحف الأمريكية.. هل حان وقت توجيه ضربة انتقامية لإيران؟ أم ما زالت الحلول الأخرى مطروحة لتجنيب المنطقة الدخول في عالم من الجحيم؟.

إلغاء لقاء ترمب وروحاني

واعترفت عدد من عواصم العالم بتأثير الهجمات الإرهابية على معملي بقيق وخريص على سوق الطاقة العالمي، وتوقعت صحيفة «وول ستريت جورنال» نقلا عن أشخاص مطلعين أنه ربما يتم دراسة تأجيل خطط العرض الأولي لأرامكو.

وأدت التطورات بالفعل إلى تقويض الجهود المبذولة للتوسط في عقد اجتماع بين دونالد ترمب وحسن روحاني الأسبوع المقبل في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقالت إيران إن رئيسها لن يلتقي بترمب بعد أن قالت الولايات المتحدة إنها مفتوحة لمثل هذا الاجتماع.

تحقيقات الأمم المتحدة

وفيما قالت السعودية إنها ستدعو خبراء الأمم المتحدة للتحقيق وسوف تنتظر النتائج قبل أن تقرر كيفية الرد، طلب المسؤولون الأمريكيون من أعضاء فريق خبراء الأمم المتحدة المعني باليمن، الذي يحقق في أصول الأسلحة المستخدمة في النزاع، السفر إلى المملكة العربية السعودية في أقرب وقت ممكن، وذلك بحسب راديو أوروبا الحرة.

وفي الأمم المتحدة، أخبرت السفيرة الأمريكية في مجلس الأمن كيلي كرافت أن «المعلومات الناشئة تشير إلى أن المسؤولية تقع على عاتق إيران»، ولم تقم المملكة المتحدة، وهي حليف رئيسي للولايات المتحدة، بإلقاء اللوم على الفور على الهجمات، قائلة إنها تقيم ما حدث، ومن الذي كان مسؤولا؟.

رسالة التحالف

قدم التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن رسالة واضحة في مؤتمره الصحفي بالرياض أمس الأول، وقال إن التحقيقات الأولية تشير إلى أن الأسلحة المستخدمة في الهجوم إيرانية الصنع، ونفى مزاعم الحوثيين بالمسؤولية عن الهجوم، مشيرا إلى أن المعلومات تقول إن الطائرات المسيرة لم تطلق من اليمن.

ورغم رغبة ترمب تجنب الحرب مع إيران وقوله في المكتب البيضاوي «لا أريد الحرب مع أي شخص» مضيفا أن الدبلوماسية «لم تستنفد أبدا حتى آخر 12 ثانية»، وتأكيده على أن وزير الخارجية مايك بومبيو وغيره من مسؤولي الإدارة سيتوجهون إلى المنطقة، إلا أنه اتهم صراحة إيران بأنها وراء الهجمات التخريبية.

إيقاف الضربة العسكرية

قبل يومين.. ذكر ترمب عبر تغريدة على تويتر بسلوك إيران، عندما أسقطت طائرة أمريكية بدون طيار في يونيو، وهي ضربة قادت الولايات المتحدة إلى إعداد ضربة عسكرية لإيران، وأمر الرئيس الأمريكي بإيقاف الضربة العسكرية قبل موعدها بدقائق، بعدما كانت لديه أفكار ثانية.

كانت الطاقة الإنتاجية للنفط الإيراني تقارب 4 ملايين برميل يوميا قبل إحياء العقوبات الأمريكية، مما يجعلها المورد الرئيس للنفط، وتبلغ طاقة التكرير في البلاد الآن حوالي نصف هذا المبلغ، وفي الأشهر الأخيرة، اتهمت الولايات المتحدة إيران بتنفيذ سلسلة من الهجمات في المنطقة، بما في ذلك الانفجارات التي شلت عدة ناقلات في الخليج العربي.

اختبار العلاقة السعودية الأمريكية

ويرى عدد من الصحف الأمريكية أن الهجمات الأخيرة تشكل اختبارا مهما للعلاقة الأمريكية السعودية، حيث التقى ترمب الاثنين الماضي فريق الأمن القومي لمناقشة الهجمات وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، حسبما قال شخص مطلع على الاجتماعات.

وقال شخص آخر إن ترمب وفريقه، الذي ضم وزير الدفاع مارك إسبير ومستشار الأمن القومي بالإنابة تشارلز كوبيرما، ناقشوا العمل العسكري المحتمل ضد إيران، لكنهم لم يتخذوا أي قرارات.

وفي اليوم نفسه أكد الرئيس الأمريكي أنه لا يفكر بعد في الخيارات العسكرية، وقال روبرت مالي، رئيس مجموعة الأزمات الدولية والمنسق السابق للبيت الأبيض في الشرق الأوسط برئاسة أوباما «يشعر كل من الرئيس ترمب والأمير محمد بن سلمان بالحاجة إلى الاستجابة، لكنهما لا يريدان الحرب، والسؤال هو كيف يتحقق الهدف الأول دون إثارة الأخير».

رد صارم على الإيرانيين

وبحسب صحيفة واشنطن بوست، أوصى مسؤولو البنتاجون برد صارم على الهجمات الأخيرة على منشآت النفط السعودية، وفقا لمسؤولين مطلعين على مداولات وزارة الدفاع.

التقى وزير الدفاع مارك ت. إسبير بالرئيس ترمب ومسؤولي الأمن القومي الرئيسيين في البيت الأبيض، بعد يومين من سلسلة من الانفجارات التي أصابت منشأتين نفطيتين، مما أدى إلى تعطيل أكثر من نصف إمدادات المملكة من النفط والتوترات المتصاعدة بشكل كبير مع محور الشر الإيراني.

وفي حين أعلنت الميليشيات الحوثية الإرهابية في اليمن مسؤوليتها عن الهجمات، إلا أن مسؤولي إدارة ترمب قالوا إنهم يعتقدون أن الجزء الأكبر على الأقل من الغارات، التي استهدفت منشأتين تابعتين لشركة النفط السعودية الحكومية أرامكو، تم إطلاقهما من داخل إيران، وهو ادعاء إن كان صحيحا فسيمثل تصعيدا كبيرا بين القوى الإقليمية الرائدة في الشرق الأوسط.

في رسالة نشرت على تويتر، قال إسبر، الذي تولى منصب البنتاجون في خضم مواجهة سابقة مع إيران في يونيو، إن الجيش الأمريكي والوكالات الحكومية الأخرى «نعمل مع شركائنا للتصدي لهذا الهجوم غير المسبوق والدفاع عن الدولية، والنظام القائم على القواعد التي تقوضها إيران».

صراع دموي محتمل

ويحث المسؤولين العسكريين على توخي الحذر والسعي لنزع فتيل التوترات التي يعتقدون أنها قد تدفع الولايات المتحدة إلى صراع دموي محتمل مع إيران، في وقت تسعى فيه وزارة الدفاع الأمريكية إلى إنهاء حروب المتمردين في الشرق الأوسط وإعادة توجيهها نحو المنافسة مع الصين.

سعى المسؤولون، الذين تحدثوا لواشنطن بوست شريطة عدم الكشف عن هويتهم، إلى التأكيد على أنه لم يتم استهداف أفراد أو منشآت أمريكية، مما يشير إلى أن الرد العسكري الأمريكي المباشر قد لا يكون الخيار الأفضل، قالوا أيضا إنه إذا اعتبر هذا الإجراء ضروريا، فستحتاج الإدارة إلى إيجاد أساس قانوني صحيح لاتخاذ إجراء.

أثار مسؤولو الدفاع مرارا مخاوف مماثلة، حيث تبنت إدارة ترمب سياسة متشددة تجاه إيران على مدار الثمانية عشر شهرا الماضية، بما في ذلك قرار الرئيس بالانسحاب من صفقة سلفه النووية مع طهران وفرض عقوبات جديدة قاسية على إيران والشركات التابعة لها.

هل تشن أمريكا هجوما انتقاميا؟

جاءت هجمات السبت بعد أقل من أسبوع من مغادرة مستشار الأمن القومي جون بولتون، الذي قاد موقف الإدارة الإيراني المتشدد، بينما عبر مسؤولو البنتاجون بشكل خاص عن مخاوفهم من أن بولتون قد يقود الولايات المتحدة عن غير قصد أو غير ذلك إلى الحرب، إلا أنهم وجدوا ترمب نفسه يبدي رغبته في تجنب القيام بعمل عسكري جديد.

جادل ستافريديس أن أي رد فعل سيكون أفضل من خلال الحلفاء، حيث يجري ترتيب حلف قوي لحماية الشحن التجاري في جميع أنحاء الخليج العربي.

وبينما ينظر المسؤولون في خياراتهم، يجب عليهم اجتياز المقاومة في الكابيتول هيل، حيث يسعى بعض المشرعين إلى تقييد قدرة الإدارة على شن عمل عسكري ضد طهران.

وقال روبرت مالي، الذي كان مسؤولا رفيع المستوى في الشرق الأوسط في البيت الأبيض لأوباما ويشغل الآن منصب رئيس المجموعة الدولية لمعالجة الأزمات، إن الإدارة يمكن أن تسعى إلى وضع أساس قانوني لهجوم انتقامي إذا كانت عازمة على ملاحقة واحدة، حتى لو لم يصدر الكونجرس تفويضا صريحا.

الهجوم السيبراني

إذا قرر الرئيس الأمريكي عدم الرد العسكري العلني، فيمكنه أيضا اللجوء إلى العمل السيبراني، ففي يونيو الماضي عندما كان ترمب يفكر في توجيه ضربة صاروخية ضد إيران، قام البنتاجون بإعداد خيار الانترنت للمساعدة في تمكين الضربة، وقد شمل الأمر أوامر سيبرانية لتعطيل أنظمة الكمبيوتر الإيرانية التي تتحكم في إطلاق الصواريخ والقذائف لمنعها من إسقاط الأسلحة الأمريكية، وفقا لأشخاص مطلعين على الأمر.

وبدلا من ذلك، صدرت أوامر سيبرانية مختلفة، مما أدى إلى تعطيل قاعدة بيانات الكمبيوتر التي تستخدمها إيران للتخطيط لشن هجمات على ناقلات النفط في الخليج العربي بعد ساعات من إسقاط الحرس الثوري الإيراني طائرة استطلاع أمريكية بدون طيار في المنطقة، مثل هذه الإجراءات يعتبرها البنتاجون أقل من استخدام القوة وينظر إليها على أنها فعالة دون المجازفة بصراع مفتوح.

حتى عندما أشار المسؤولون إلى أنه لم تكن هناك خطوات عسكرية وشيكة، فإن احتمال صدور قرار غير متوقع من البيت الأبيض كان معلقا على مناقشات البنتاجون حول الهجمات الأخيرة، وقال ستافريديس «أظن أن الجميع يأخذون نفسا»، خاصة إلى أن تحصل الحكومة على صورة أكثر اكتمالا عن الهجمات «لكن لا أحد يعرف حقيقة».