فارس "العروس" الذي رحل

الأربعاء - 13 مارس 2019

Wed - 13 Mar 2019

على الرغم من مرور نحو 40 عاما على مغادرته أمانة جدة، إلا أن الدكتور محمد سعيد فارسي، الذي وافته المنية قبل أيام، لا يزال حاضرا في كل تفاصيل عروس البحر الأحمر حتى اليوم.

فارسي، أول أمين لمدينة جدة والمؤسس لتفاصيلها الحديثة، غرس اسمه في ذاكرة المدينة العتيقة، كملايين الأشجار التي رعاها حتى أضحت من علامات جدة المميزة، ونحت ذكره في ميادينها، كتلك القطع الفنية التي حولت المدينة إلى معرض فني عالمي، ورسم ملامحها حتى امتزجت مع ملامحه.

ابن مكة الذي ولد عام 1936 وأنهى تعليمه في تخصص الهندسة في 1963 وتولى أمانة جدة، كأول أمين عام 1972. رحل عن عالمنا تاركا خلفه قصة نجاح ارتبطت بذاكرة مدينة جدة، التي تجاوزت بمراحل، إبان عمله أمينا لها، محيطها من المدن العربية، وشكلت نموذجا فريدا للتخطيط العمراني، وأنسنة المدن، وتصالحها مع البيئة.

نحو 14 عاما قضاها فارسي في عمله أمينا لجدة، فارسا للعروس التي أسس تفاصيلها، وصالحها مع البحر وجمع بينهما في مشروع الكورنيش الذي أثبت حرفيته وبعد نظره، وزينها بقلائد من المنحوتات الفنية التي جمعت أشهر فناني العالم، من سيزار بلديسيني، وخوان ميرو الذي يعتبر من أشهر فناني المدرسة التجريدية، والفنان الإنجليزي هنري مور والألماني هانس ارب والأمريكي الكساند كالدر، إلى الفنان خوليو لافوينتي غارسيا الذي أبدع في 27 مجسما من بينها مجسم الدراجة الشهير.

لم يحصر الراحل جهوده في التجميل، رغم أهميته، بل كان أثره شاهدا على اهتمامه في كل ما يخدم المجتمع، ومن ذلك ما يسرده الدكتور عبدالله الزيد، مدير تعليم المنطقة الغربية سابقا، عن مراحل التأسيس التي تكشف اهتمام الراحل بالتعليم، ودعمه لكل ما يخدم جدة وأهلها، ويقول «طلب منا تعيين مواقع التعليم في مخططات المدينة المعتمدة وكانت النتيجة عشرات الأراضي وعشرات المشاريع التي تشهد ما دامت شامخة، يطلب فيها التعليم ويلقى فيها العلم، لجهوده ودعمه للتعليم رحمه الله”.

تجاوز الدكتور محمد سعيد فارسي عصره بمراحل، وشكل نموذجا للعمل القيادي الذي يشرك المجتمع ليكون مسؤولا عن مدينته ومحبا لها، ويحفز القطاع الخاص ويستفيد من قوته، ويحتفي بالإبداع ويمنحه صدارة المشهد، ويتصالح مع البيئة ويعزز بقاءها.

كان الراحل نموذجا للتخطيط بعيد المدى بكل ما فيه من تحدٍ ومثابرة وصبر.. واجه في سبيل معشوقته العروس الكثير من العراقيل، مؤمنا بأنها تستحق الأجمل، ومراهنا على هذا المستقبل الذي أثبت صحة رؤيته، عبر تلك الطرق الممتدة في كل الأنحاء، وتلك المساحات التي اقتطعها من البحر ليفتح النوافذ وتتنفس المدينة.

رحل فارسي بعد أن تجذر في ذاكرة جدة وأصبح جزءا منها، راسما بمهارة وإبداع وجهها الحديث، وتاركا خلفه ملامحه التي ما زالت حاضرة في كورنيش المدينة وقناديلها، في ميادينها ونافورتها الباسقة، وفي غراسها الذي لا يموت.

الأكثر قراءة