من خطب الجمعة

السبت - 16 فبراير 2019

Sat - 16 Feb 2019

إشراقات الدين

«في عصر علت فيه فتن الماديات، واستفحلت فيه علل الأفكار والشبهات، وأدلج فئام من الناس عقولهم سوء الوسن، ومدوا في ميادين الغواية كل رسن، وزين لهم سوء عملهم فرأوه كالحسن، وأهاجوا فتنا وخطوبا، ومعارك وحروبا، سالت فيها دماء، ومزقت فيها أشلاء، وذهب فيها أبرياء، من أجل رأي علمي، أو اختلاف سائغ في اجتهاد فردي، وكل يدعي محض الصواب، ويزعم أنه المحق بلا ارتياب، يوالي من أجل مشرب، ويعادي من أجل فكر أو مذهب، وهنا تبرز إشراقات هذا الدين، وعظيم خصائصه التي أبهرت العالمين، حيث كلأت الشريعة بعين أحكامها، وضمخت برداع لطفها وحنانها، أواصر الألفة والتلاحم، والأخوة والتراحم، تلكم الأواصر الاجتماعية السامية، والوشائج الروحية والخلقية النامية، التي حثت عليها تعاليمه القاصدة، وأكدتها أحكامه ومقاصده، حتى في الاختلاف، وسد ذرائع الخلاف.

إن الاختلاف قد يكون محمودا، لأنه سنة من سنن الله الكونية، يقول سبحانه: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم، قال الحسن البصري: «ولذلك خلقهم: أي خلقهم للاختلاف»، لكن الخلاف هو الشر الذي يؤدي إلى النزاعات والخصومات، والفساد والإفساد، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «من الفساد ما يسببه التفرق والاختلاف المخالف للإجماع والائتلاف؛ حتى يصير بعضهم يبغض بعضا ويعاديه، ويحب بعضا ويواليه على غير ذات الله، وحتى يفضي الأمر ببعضهم إلى الطعن واللعن، والهمز واللمز، وببعضهم إلى الاقتتال بالأيدي والسلاح، وببعضهم إلى المجاهدة والمقاطعة حتى لا يصلي بعضهم خلف بعض، وهذا كله من أعظم الأمور التي حرمها الله ورسوله»، ويقول العلامة ابن القيم «ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه لتفاوت إراداتهم وأفهامهم، وقوى إدراكهم. ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعدوانه، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب، وكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله لم يضر ذلك الاختلاف.

إن المتأمل في تاريخ الأمة الإسلامية يلحظ أن الغالب اشتغالها بالاختلاف فيما بين أفرادها في أزمنة الاسترخاء والترف الفكري، ويضمر حين تواجه الأمة خطرا محدقا أو عدوا متربصا، فتعود إلى الاشتغال بالمهمات، والحرص على وحدة الصف الداخلي في مواجهة عدو خارجي مخالف في أصل الملة، وليس في مسألة أو مسائل أو اجتهادات».

عبدالرحمن السديس - المسجد الحرام

عمارة المساجد

«إن من توفيق الله للمرء أن يستعمله في طاعته ويسخره لعبادته ويجعله مفتاحا للخير، وعمارة المساجد باب من أبواب الخير يفتحه الله علي يد من يشاء من عباده لينال وسام الشرف في قوله تعالى (إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين)، ولقد نالت المساجد أولوية محبة الله لها دون سائر البقاع، قال صلى الله عليه وسلم (أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها).

للمسجد أهمية في حياة الناس وأن الرعيل الأول أدركوا أهميته في حياة الناس، فبناؤه كان أول اهتمامات النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة، ثم وعي خلفاؤه من بعده هذه المكانة فسلكوا المنهج الأسمى، فهذه الخطى منطلقة نحو بيت من بيوت الله بسكينة ووقار، فما أشرف هذه الأقدام وما أجمل هذه الخطى فكل خطوة حطت سيئة وترفع درجة وكلما بعدت الدار فاضت عليك خير مدرار.

إن الحكمة من أداء الصلاة وفضلها بالمسجد بأن الصفوف تنتظم فالغني بجوار الفقير والسيد ملاصق للخادم تتساوى في الصف المناكب وتتحاذى الأقدام لتحقق المساواة في أجل صورها وأسمى معانيها فيلتقي المسلمون في المسجد فتتصافح أيديهم وتتلاصق أبدانهم وتتآلف قلوبهم فتشيع بينهم الألفة والمحبة وتزول الفوارق الاجتماعية فتقوى بذلك رابطة الأخوة الإسلامية، فما أعظمها من حكمة، مبينا أن المسلم في المسجد يتفقد إخوانه وجيرانه فهذا فقير يحتاج إلى مساعده وذاك مصاب تسليه بمأساة.

في المسجد تعلن الجموع أنها أمة النظام والانتظام، ركعات معدودة، وحركات محدودة، وألفاظ شرعية معلومة، في صفوف منتظمة، فإذا ركع الإمام ركعوا، وإذا سجد سجدوا، لا يسبقونه في قول ولا فعل».

عبدالباري الثبيتي - المسجد النبوي

الأكثر قراءة