من خطب الجمعة

السبت - 03 نوفمبر 2018

Sat - 03 Nov 2018

الإفلاس الحقيقي

«إن أهل الاستكبار على الله يقولون نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن في الآخرة بمعذبين؛ لأن الله لو لم يكن راضيا ما نحن عليه من الملة والعمل لم يعطنا الأموال والأولاد، ولم يبسط لنا في الرزق، ولم يؤثرنا بما آثرنا على غيرنا إلا لفضلنا، وغابت عنهم الحقيقة أن الله يبسط الرزق في الدنيا لمن يشاء من خلقه، ويضيق على من يشاء، لا لمحبة في من يبسط له ذلك ولا زلفة له استحق بها منه، ولا لبغض منه لمن ضيق عليه ذلك ولا مقت، ولكنه يفعل ذلك محنة لعباده وابتلاء، وأكثر الناس لا يعلمون أن الله يفعل ذلك اختبارا لعباده، فلو كان البسط دليل الإكرام والرضا لاختص به المطيع، وكذا لو كان التضييق دليل الإهانة والسخط لاختص به العاصي، بل قد يعطي الله العبد من الدنيا استدراجا له وإملاء.

إن مما يتصل بهذا المعنى أن الإفلاس الحقيقي المهلك هو أن يلقى العبد ربه يوم القيامة مفلسا من الحسنات ليس عنده منها شيء، يبين لنا هذه الحقيقة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إذ يقول لأصحابه (أتدرون من المفلس؟) قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع فقال (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار).

إن كل ما أدى إلى ترك الحقوق والتساهل فيها فهو عجز ومهانة، فترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك السؤال عن مسائل العلم والسكوت عن بيان الحق هو من الضعف والخور وليس من الحياء وإن ادعاه الناس».

فيصل غزاوي - المسجد الحرام

انشراح الصدر

«الدنيا دار بلاء ونصب يكابد الإنسان فيها المشاق وراحة القلب وزوال الهم والغم مطلب كل إنسان وبذلك تحصل الحياة الطيبة والعيش الهنيء وجميع الخلق ينشدون السعادة ويسعون إلى تحصيلها، وأصل السعادة انشراح الصدر وطمأنينة القلب، وإذا أراد الله بعبد خيرا شرح صدره فلا نعيم أطيب من ذلك، فهو من أعظم أسباب الهدى وأجل النعم وأصل كل نعمة وأساس كل خير.

إن من أعظم أسباب تحقيق انشراح الصدر العلم بأسماء الله وصفاته وتوحيده سبحانه وتعالى بالعبادة، وعلى حسب كمال ذلك وقوته يكون انشراح صدر صاحبه، وإن أكمل الخلق في كل صفة يحصل بها اتساع القلب وقرة العين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأكمل الخلق متابعة له أكملها انشراحا ولذة ونعيما.

رأس الأسباب الجالبة لانشراح الصدر الإيمان والعمل الصالح، وبهما صلاح القلب والجوارح واستقامة الظاهر والباطن، وبذلك الحياة الحية الطيبة والسعادة الدائمة، لا شيء أشرح لصدر العبد من محبته سبحانه والإنابة إليه والتنعم بعبادته، ومن آمن بلقاء الله وثوابه تعلقت نفسه بالفاضل عن المفضول وتسلى بالموعود عن المفقود وبهذا تصلح له دنياه وآخرته».

إن حسن الظن بالله تعالى عبادة تورث صاحبها أمنا وسعادة، وللعبد من ربه ما ظنه فيه إن خيرا فخير وإن شرا فشر، قال تعالى في الحديث القدسي «أنا عند ظن عبدي بي» متفق عليه، والفأل الحسن يشرح الصدر وهو من حسن الظن بالله، وأن من لجأ إلى الله أعانه وكفاه.

إن للذكر تأثيرا عجيبا في انشراح الصدور واطمئنان القلوب وزوال الهموم والغموم، وأفضل الذكر القرآن العظيم، هو كلام الله، فيه الهدى والشفاء، وإذا استفتح العبد يومه بالصلاة صلح له سائر نهاره، فمن صلى الفجر فهو في ذمة الله، ومن صلاها مع سنتها كفاه الله آخر يومه».

عبدالمحسن القاسم - المسجد النبوي