من خطب الجمعة

السبت - 20 أكتوبر 2018

Sat - 20 Oct 2018

الشريعة الإسلامية

«ليس يخفى على أولي النهى والألباب، ما شهدت به الحضارات عريقة الأسباب، أن شريعتنا الإسلامية الغراء غيرت بنور عدلها ورحمتها، من الدنيا قاتم معالمها، فطمست جورها ومظالمها، وانتزعت دون شحنائها وبغضائها مرهف صوارمها، وغرست في البرية رحماتها المبهجة ومكارمها، فهي رحبة واسعة الأرجاء، عبقة الأفنان، تمتاز بالشمول والكمال، وتنتظم مصالح العباد في أمور المعاش والمعاد، وذلك لأن الأحكام الشرعية لا تؤخذ إلا عن الله تعالى ثم عن رسوله، وهذا أصل عظيم من أصول هذا الدين القويم.

إن شريعتنا الغراء زخرت بالأصول النافعة والمقاصد الجامعة في قضايا الدين والدنيا معا، وحوت نصوصا ومقاصد، وحكما وقواعد، ملأت البسيطة عدلا وحكمة وتيسيرا ورحمة، واستوعبت قضايا الاجتهاد والنوازل، فأبانت أحكامها، وأوضحت حلالها وحرامها عبر ميزان دقيق، ومعيار وثيق، وأصول محكمة، سار عليها علماء الإسلام، ومجتهدو الأنام، مما كان له الأثر البالغ في تحقيق الخير للأفراد والمجتمعات، وإصابة الحق في الاجتهادات والمستجدات.

الشريعة ليست جامدة، أو أحكاما متحجرة تالدة، بل هي مرنة متجددة، لا تنافي الأخذ بالتجديد في وسائل وآليات العصر والإفادة من تقاناته، في مواكبة للمعطيات والمكتسبات، ومواءمة بين الثوابت والمتغيرات والأصالة والمعاصرة. إذ التجديد كلمة أخاذة، ومفردة نفاذة، تحتاج إلى عقلية فذة، وملكة رائدة في استنباط الأحكام من النصوص، وتفريع المسائل، وإلحاق الجزئيات بالكليات، وتخريج الفروع على أصولها القطعيات، وإحكام التأصيل الفقهي، والاعتبار المقاصدي، لبيان الحكم الشرعي، أخرج أبوداود والحاكم بسند صحيح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها».

عبدالرحمن السديس - الحرم المكي

آية الكرسي

«بدأت الآية بقوله سبحانه «الله لا إله إلا هو» فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله . فهو سبحانه الحق، وقوله الحق، ووعده الحق، ودينه حق، وكتابه حق، وما أخبر عنه حق، وما أمر به حق، فالحق في ذاته وصفاته، كامل الصفات والنعوت، فهو الذي لم يزل ولا يزال بالجلال والجمال والكمال موصوفا ولم يزل ولا يزال بالإحسان معروفا.

وشملت الآية قوله « الحي القيوم « فهو الحي الذي لا يموت ولا يبيد، له الحياة الدائمة والبقاء، الذي لا أول له يحد، ولا آخر له يؤمد، والقيوم متضمن كمال غناه، وكمال قدرته، فهو القائم بنفسه، وهو المقيم لغيره، فلا قيام لغيره إلا بإقامته، فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال، وإذا تدبر المسلم وأدرك أن ربه هو « الحي القيوم «، اطمئن قلبه وسكن، وكفي هم التدبير ووقي الشرور والآثام.

إن قوله سبحانه « لا تأخذه سنةٌ ولا نومٌ «،أي أن الله جل في علاه منزه عن كل نقص وعجز وعيب مما في عباده، يشهد بذلك انتظام الكون، وسيرورة الحياة، ومعاش الخلائق، وفي قوله تعالى ( له ما في السماوات وما في الأرض ) فكل شيء فيهما تحت ملك الله عز وجل وقدرته وتقديره وفضله وتفضيله وحكمته، أفلاك وعوالم عظيمة، هو الخالق لهما ومالكها وإلهها لا إله سواه ولا رب غيره،وفي قوله جل وعلا ( من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة، من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه أو نفسه.

وفي تفسير قول الله تبارك وتعالى (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء) أن الله سبحانه هو السميع البصير العليم الخبير؛ يرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، ويرى نياط عروقها ومجاري القوت في أعضائها.

إن آية الكرسي غنيمة للمسلمين ونعمة من أعظم نعم الله تعالى عليهم، فهي من آكد أذكار الصباح والمساء التي يتأكد بها حفظ الله».

عبدالباري الثبيتي - الحرم النبوي