الرأي
الأربعاء 29 محرم 1440 - 10 أكتوبر 2018
معادلة الإحباط الإداري

واقع المنظمات العصرية سواء كانت عامة تقدم خدماتها أو خاصة تسوق لمنتجاتها أنها تسعى دوما إلى تحقيق أعلى معدلات للأداء الوظيفي، وتعمل جاهدة لبلوغ المستويات والمؤشرات المرتفعة لقياس أداء الموظفين بمختلف طبيعة أعمالهم ومستوياتهم التنظيمية، وفي ظل تسارع وتيرة العمل المتقلب ورتم الحياة المتذبذب يحتاج الموظفون في أي منظمة إلى من يهتم بهم من التنفيذيين والقادة، لتطويرهم وتحفيزهم وبث الثقة في نفوسهم، ويكون ذلك عن طريق برنامجين استراتيجيين في غاية الضخامة والقوة، الأول هو كيفية زيادة الارتباط التنظيمي وغرس الولاء المؤسسي Employee Engagement بين الموظف والوظيفة، والذي يعكس أهمية الموظف في منظمته عن طريق رعاية الإدارة العليا بهم واهتمامها بمزاياهم وحقوقهم، وإشراكهم في صنع القرارات الاستراتيجية والابتعاد عن سياسة الغموض في القرارات الصادرة، والعمل على استبقائهم وعدم تهديدهم بالتلويح ببرامج التسريح والتطفيش. والثاني آلية تهدئة الاحتقان الناجم عن ضغوط العمل المؤدي إلى التخبط والإحباط الإداري، وذلك باتباع سياسة العدل والإنصاف الإداري وإبراز دور المجتهدين والجديرين والإعلان عنهم كل فترة، وتكريمهم وتقديرهم بهدايا تذكارية عن طريق أعلى تنفيذي في الهرم الإداري للمنظمة.

ومن وجهة نظري السلوكية والتنظيمية والعملية لأكثر من 25 عاما بمجال الموارد البشرية أرى أن هنالك معادلة رياضية وإدارية مؤداها كما يلي «التنفيذي > المنصب التنظيمي + تخبط في القرارات – الوازع الديني ÷ انخفاض الروح المعنوية = الإحباط الإداري للموظفين».

التنفيذي أو الرئيس عندما يتقلد منصبا أكبر منه في المنظمة سيصبح لديه ما يسمى «الفجوة السلوكية والتنظيمية»، وهو ما أعتبره إيذانا بالفشل الإداري المسبق، فالمؤهل والمعرفة الواسعة والكاريزما ثلاثة عوامل قوية لشغل منصب القائد في المنظمة لتبرز القدرات والإمكانات في سلوكيات التعاطي مع الموظفين والأنظمة أو سيصبح التنفيذي متقوقعا ومنغلقا تنظيميا عن مواجهة الموظفين، وحتما سيعتمد في إدارة المنظمة على مساعدين غير أكفاء، بالإضافة إلى أن كبر حجم المنصب على التنفيذي سينجم عنه تخبط في القرارات، والتي تؤدي حتما إلى خسائر في الموارد البشرية في التسرب وخسائر مالية في الهدر العشوائي، وأيضا نقص الوازع الديني له دور فاعل في حدوث كل ما سبق ويطغى الاستبداد والظلم البواح في ميزان العدل الإداري، فيكافأ الفاشل ويعاقب المنتج ويترقى الجاهل ويتجمد المجتهد العامل، قال عليه الصلاة والسلام «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته»، وفي المحصلة النهائية سيتقاسم موظفو المنظمة خيبات الأمل فيما بينهم وينشأ الانخفاض العام في الروح المعنوية Morale ويسود الضعف والتراجع في الأداء وبالتالي الإنتاجية، والذي يؤدي إلى سوء التعامل مع العميل، وتحدث في آخر المعادلة النتيجة النهائية والمتوقعة وهي الإحباط الإداري للموظفين وهم المورد الأساس ورأس المال البشري.

يحتاج الموظفون إلى جرعات من الأمل تكون لهم وقودا ودافعا قويا لإنعاشهم؛ فأحيانا تكون المكافآت المعنوية والتقديرية لا تحمّل ميزانية الشركة أي أعباء مالية، كشهادة شكر أو ايميل أو إشادة شفهية وتكريم أو مكالمة هاتفية تطمئنهم وتبشرهم وترفع من روحهم المعنوية.

يحتاج الموظفون إلى تنفيذيين ذوي دراية ووعي تام بالجوانب السلوكية والنفسية لتعظيم الجانب النفسي لأفرادها، وليس التهديد والوعيد بالفصل أو النقل أو تجميد درجات الترقيات.

يحتاج الموظفون تنفيذيين يمتلكون ثقافة الاحتواء قبل الاستبعاد والإقصاء، ويمتلكون الجوانب الإنسانية التي تسعى لتقدير آدمية الموظف؛ فالسلوك الإنساني في منظمات العصر يسعى إلى تعزيز مفهوم جديد ليتحول مفهوم إدارة الموارد البشرية الذي يركز على أن الموظف هو مورد قد يقل عطاؤه ويتم الاستغناء عنه إلى مفهوم جديد في عصر المعرفة يسمى بإدارة رأس المال البشري الذي يعكس أن الموظف هو رأسمال يتم الاستثمار فيه وتنميته وتعظيمه.

يحتاج الموظفون لتنفيذيين يسعون إلى لم الشتات الإداري، وليس إلى تأليب الآراء وإنشاء التحزبات، وتعزيز قيم مصلحة المنظمة من مصلحة الموظف والعكس صحيح.

يحتاج الموظفون إلى استقطاب واختيار وتعيين مديرين وتنفيذيين على أساس معايير إنسانية باحترافية من حيث الخلفية العلمية والعملية وأيضا الخبرات التي اكتسبوها، وسمعتهم الإدارية، وما هي معدلات النمو التي حققوها؛ فالأعمال شواهد لأصحابها وكل عمل جيد ومتقن له أثر يتحدث عنه.

يحتاج الموظفون إلى تنفيذيين يحملون على عاتقهم مسؤولية إدارة الذات قبل إدارة البشر، ليسوا متعالين ومنعزلين ويعيشون في أبراجهم العاجية ويسقطون أمراضهم النفسية على قرارتهم، ضاربين عرض الحائط بما قد يحدث نتيجة لذلك ويقتنعون أنه الصواب ويتبنون مفهوم لا أريكم إلا ما أرى.

يحتاج الموظفون إلى تنفيذيين يتقنون فن صناعة الإيجابية ويقيسون أثر ذلك من خلال قراراتهم ونتائجها بأساليب وآليات سلوكية ونفسية ترفع من روحهم المعنوية لزيادة الولاء والارتباط التنظيمي. يحتاج الموظفون إلى تنفيذيين يلعبون دور أطباء وجراحي القلب لإعادة صياغة معادلة الإحباط الإداري لتصبح معادلة الإنعاش الإداري لقلوبهم المتعبة.

Yos123Omar@


أضف تعليقاً