من خطب الجمعة

السبت - 06 أكتوبر 2018

Sat - 06 Oct 2018

No Image Caption
من خطبة الجمعة في الحرم المكي (واس)
دعاوى باطلة

«بين لهو الحياة ولغوها، وفي هجير مطامحها ومطامعها، ولظى الصراع على حيازة متاعها، والتمتع بزهرتها، والاغترار بزخرفها، تقوم للدعاوى العريضة سوق نافقة، وترتفع للمزاعم المبهرجة رايات خادعة كاذبة خاطئة، فهناك ضروب وألوان من الدعاوى والمزاعم لا تقوم على حجة، ولا تستقيم على محجة، ولا ترجع إلى دليل، ولا تستند إلى برهان.

ولئن تنوعت صورها، وكثرت وتعددت صنوفها، فإن من أشدها ضررا، وأوخمها مرتعا، وأضلها سبيلا، وأقبحها مآلا تلك الدعاوى القائمة على ما نهى الرب تبارك عنه في محكم التنزيل بقوله سبحانه: الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى [النجم: 32] أي: على هذه التزكية للنفس، والنظر إليها بعين التعظيم والإعجاب، والإكثار من الثناء عليها، وغض الطرف عن عيوبها ومثالبها، والرفض القاطع لأي إقرار فيها بالنقص، أو الخلل، أو التقصير، وإن من أسوء ذلك ما يكون من دعاوى الهداية والفلاح، وسلامة المنهج، وصواب المسلك، وصحة الطريق! ذلك المتمثل فيما يزعمه بعض من كثرت دعاواه ومزاعمه، وقلت عليها براهينه وحججه، بل انعدمت أو كادت، في أنه على هدى من ربه، وأنه من المفلحين الذين أدركوا ما فيه رغبوا، وسلموا مما منه رهبوا.

ولما كان هذا الفريق من عباد الله موجودا في كل زمان بدعاواه ومزاعمه، فقد تكلم ربنا سبحانه في محكم كتابه عن هذا بكلامه المرشد الهادي، والمبين الناصح، والمحذر الناهي، الذي يسفر عن وجه الحق في هذا الأمر، فدل سبحانه بما ذكر في هذا المقام على أن الذين يصح وصفهم بأنهم على نور من ربهم، وبرهان واستقامة، وسداد بتسديد الله إياهم وتوفيقه لهم، وأن الذين يصح وصفهم بأنهم «المفلحون»، إنما هم على الحقيقة «المتقون» الذين اتقوا الله تبارك وتعالى في ركوب ما نهاهم عن ركوبه، واتقوه فيما أمرهم به من فرائضه، فأطاعوه بأدائها».

أسامة خياط - المسجد الحرام

تزكية النفوس

«إن الله تعالى خلق الإنسان وعلمه البيان ومنحه العقل واللسان وهداه النجدين وبين له السبيلين إما شاكرا وإما كفورا. والله امتحنه بعداوة النفس والشيطان وكتب له التوفيق أو الخذلان وجعل مصيره إما إلى الجنة وإما إلى النيران، شرع من أجله الشرائع وأنزل الكتب وبعث الرسل مبشرين ومنذرين فمن الناس من استجاب وتزكى ومن يتزكى فإنما يتزكى لنفسه ومنهم من أعرض وأبى ومن نكث فإنما ينكث على نفسه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «الإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس».

سبيل التخلص من شرور النفس هو تزكيتها ورعايتها ومعاهدتها وقد أقسم الله في كتابه أحد عشر قسما متتالية على فلاح من زكاها وخيبة من دساها فقال سبحانه تعالى «والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها والسماء وما بناها والأرض وما طحاها ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها»، فتزكية النفوس لا تتأتى إلا بمقام الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ولا تتأتى إلا بمخالفة الهوى وملازمة التقوى، لا تتأتى إلا بمخالفة النفس الأمارة بالسوء وترك ملذاتها وشهواتها فمن وفق لقمعها نال المنى ونفسه بنى ومن أرخى لها العنان ألقت به إلى سبل الهلاك والردى.

إن الجهاد ذروة سنام الإسلام وفريضة من أعظم فرائضه وأعظم الجهاد مجاهدة النفس فألجموها عن ملذاتها وافطموها عن شهواتها ففي قمعها عن رغبتها عزها وفي تمكينها مما تشتهي ذلها وهوانها فعداوة النفس مثل عداوة الشيطان».

عبدالله البعيجان - المسجد النبوي