تدشين كتاب

 ممَّا رواه علي بن الحسن الخزرجي في كتابه «العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية»، وذاع خبره في كتب التاريخ والتراجم والسير أن مجد الدين الفيروزآبادي صاحب

 ممَّا رواه علي بن الحسن الخزرجي في كتابه «العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية»، وذاع خبره في كتب التاريخ والتراجم والسير أن مجد الدين الفيروزآبادي صاحب

الجمعة - 06 نوفمبر 2015

Fri - 06 Nov 2015





 ممَّا رواه علي بن الحسن الخزرجي في كتابه «العقود اللؤلؤية في تاريخ الدولة الرسولية»، وذاع خبره في كتب التاريخ والتراجم والسير أن مجد الدين الفيروزآبادي صاحب «القاموس المحيط» حين اتصل بالملك الأشرف إسماعيل بن الأفضل صاحب اليمن، أكرم نزله، وحصل منه مالا وفيرا، وطاب له المقام في مدينة تعز.

وفي الكتاب أخبار رائعة عن عناية السلطان الرسولي بالعلم وأهله، يهمنا منها خبر طريف ساقه الخزرجي في كتابه المومأ إليه، فيه دلالة على نزعة أصيلة في الثقافة العربية نعرف منها شدة المبالغة في تكريم الكتاب.

فمن دأب المؤلفين العرب في تاريخنا القديم أن يؤلفوا كتبهم، ويرفعوها برسم الإهداء إلى الخلفاء والسلاطين والأمراء والوزراء والكبار، يصيبون بها هداياهم، ويجعلونها سببا للاتصال بهم، واعتدنا أن نقرأ في كتب التاريخ والتراجم والسير أن خليفة من الخلفاء، أو كبيرا من الكبراء، أغدق على مؤلف مالا أو جواهر، ولكن ما ساقه الخزرجي بين يدي كتابه ضرب طريف من تكريم الكتاب وأهله، ومما يزيد من طرافته وروعته حدوثه في ناحية من نواحي الجزيرة العربية، وهي اليمن، وفي زمن ظلمه الباحثون واشتدوا في ظلمه، فوسموه بالتأخر والانحدار والانحطاط.

حين أتمَّ المجد الفيروز آبادي كتابه «الإسعاد بالإصعاد إلى درجة الاجتهاد» أمر الملك الأشرف الرسولي أن يحمل الكتاب إلى بلاطه مرفوعا بالطبول والمغاني، وحضر سائر القضاة والفقهاء والطلبة، وساروا أمام الكتاب، وهو في ثلاثة مجلدات، يحمله ثلاثة رجال على رؤوسهم، فلما دخل على السلطان وتصفحه أجاز مصنفه بثلاثة آلاف دينار!ولنتخيَّل ذلك المنظر المهيب: غادر المجد الفيروز آبادي منزله، في كامل زينته، تحيط به المباخر، وترتفع ألسنة القضاة والفقهاء والطلبة وعامة الناس، بالتهنئة والشكر، ثم تصدح الطبول، في موكب أقرب ما يكون إلى حفل زفاف، وفي أسلوب يشبه «الزَّفَّة»، ويذرع الموكب الطريق، ويقف المارة ليشاهدوا الكتاب مرفوعًا على الرؤوس، وخلف النوافذ تُرَى النسوة، وهنَّ يطالعن عرسا عجيبا طريفا، لم يألفنه فيما عرفنه من أفراح، ولعل الناس، في يوم الخامس عشر من شعبان سنة 800 للهجرة، لم يكن لهم حديث في مدينة تعز إلا ذلك الموكب الذي زُفَّ فيه مؤلف وكتاب.

حين حضرتُ حفل تدشين كتاب «مكة المكرمة من السماء» الذي ألفه الدكتور معراج مرزا والدكتور رمزي الزهراني والمهندس محمد مرزا، وبعد أن أخذت موقعي في «قاعة الملك عبدالعزيز التاريخية»، في رحاب جامعة أم القرى بمكة المكرمة، حرسها الله، سرعان ما تذكَّرت «زفَّة» المجد الفيروز آبادي وكتابه، وجعلت أعدّ فرق القرون بين يومي هذا، يوم الأربعاء الحادي والعشرين من شهر المحرَّم الحرام، من سنة سبع وثلاثين وأربعمئة وألف للهجرة النبوية الشريفة، وذلك اليوم التعزي المهيب، فإذا بست وثلاثين وستمئة سنة، تفصل ما بين الحفلين والكتابين، وأحسست الفرح أن جزيرة العرب، في جنوبها القصي في تعز، وفي شمالها الوضيء في مكة المكرمة، تحتفل بالكتاب والمؤلفين.

وعلى أنني سعدت كل السعادة بحفل ترعاه جامعة، تقدم إلى المجتمع ثمرة إبداع علمي أصيل، تمنَّيت لو أن كتاب «مكة المكرمة من السماء»، حُمِل إلى «قاعة الملك عبدالعزيز التاريخية» على الرؤوس، وسار المؤلفون محاطين بالعمداء والأساتذة والمحاضرين والمعيدين والطلبة، ويصعد إلى سماء مكة المكرمة التي لا تشبهها سماء، وقع الدفوف والطبول والتهاني، بلحن حجازي قديم، يشنف الأسماع ويشيع الجمال والجلال في المكان، فعسى أن نعيد إلينا تقليدا عربيا قديما لتكريم الكتاب وأهله، حال بيننا وبينه كرُّ النهار ومرُّ العشي!



[email protected]