من رحم الرؤية السامقة 2030 خرج برنامج جودة الحياة 2020 الذي يعنى بتحسين نمط حياة الفرد والمجتمع، ليجعل المجتمع السعودي أكثر حيوية وانفتاحا، والاقتصاد أكثر ازدهارا وتوسعا، من خلال مشاركة المواطن والمقيم في الأنشطة الثقافية والترفيهية والرياضية، كما أن البرنامج يعمل على تحسين البنى التحتية من خلال الاستراتيجيات الأساسية للحياة العامة، ومنها: النقل، والإسكان، والتصميم الحضري، والبيئة، وكذلك الاهتمام بالرعاية الصحية والتعليمية وتحسين البيئة الاجتماعية والعلاقات التواصلية.

وقد وضعت لهذا البرنامج منطلقات وغايات وآليات تنفذ خلال المدة 2018-2020، ولعل أبرز تلك المنطلقات أن إجمالي الإنفاق في القطاعات ذات الصلة يصل إلى 130 مليار ريال، كما يصل النمو في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بالقطاعات ذات الصلة إلى 20% سنويا. ومساهمة المحتوى المحلي في القطاعات ذات الصلة بالبرنامج إلى نسبة 67% حتى عام 2020، مما يخلق الآلاف من الوظائف واستثمارات جديدة نحقق من خلالها الطموح الذي أشار إليه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان – حفظه الله - حينما قال «طموحنا يصل عنان السماء» في تصريحه عن البرنامج، وأنه يطمح بأن تكون 3 مدن سعودية ضمن أفضل 100 مدينة في العالم للعيش فيها.

هذه الرؤية يترجمها أمراء المناطق بآليات عمل وخطط وبرامج تحقق أهدافها بإيجاد مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، فانطلق الثلاثاء 22 /8 /1439هـ المؤتمر الدولي الأول لأنسنة المدن، برعاية أمير منطقة المدينة المنورة فيصل بن سلمان، وبحضور الأمير سعود بن خالد الفيصل نائب أمير المنطقة، وكوكبة من الباحثين والدارسين من 14 دولة، لطرح الأفكار التطويرية للمدن والاستفادة من الدراسات في أنسنة المدينة المنورة، وهي التوجه الحضاري الذي يعزز التنمية، ويلائم بين الإنسان وبيئته من جميع الجوانب الصحية، والاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، فهذه المدينة التي كانت تسمى «يثرب» وأطلق عليها الرسول صلى الله عليه وسلم اسم «المدينة» باعتبارها أول مدينة في الإسلام قامت على أسس تشريعية، وتنفيذية، وقضائية، وأنظمة ولوائح مستندة على دستور الأمة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة في جميع التعاملات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بل حتى في التعامل مع اليهود والنصارى. فهي المدينة التي انطلقت منها الدعوة الإسلامية إلى ربوع العالم.

وقد شاركت في هذا المؤتمر أيضا الوزارات المعنية بتحسين جودة الحياة أو أنسنة المدن، وهي: وزارة المالية، ووزارة الحج والعمرة، ووزارة الاقتصاد والتخطيط، ووزارة البيئة والمياه والزراعة. وكل منها تحدث عن دوره في مشروع الأنسنة. ولعل ما طرحه مستشار وزير البيئة والمياه والزراعة الأستاذ فقيه السعدون أن الوزارة أطلقت مبادرة لتهيئة المتنزهات الوطنية في جميع المناطق ضمن مبادرات الوزارة لأنسنة المدن، وأن الوزارة تسعى لزراعة 12 مليون شجرة في عام 2020 لهو خبر يثلج الصدر، فتحسين البيئة بظلال وارفة ومسطحات خضراء هو أحد مصادر السعادة للإنسان، فهو يرتبط دائما بحبه للطبيعة. والزراعة تضفي مزيدا من الأكسجين للحياة وتخلص البيئة من ملوثات مداخن المصانع وعوادم السيارات، كما لا بد من أن يقوم التخطيط العمراني في المدن على تغطية الجوانب الإنسانية والبيئية التي تلبي احتياجات الإنسان الحياتية الأخرى كالمنتزهات العامة والألعاب الترفيهية للأطفال، فقد أضحت من أساسيات جودة الحياة.

ومن اهتمام أمراء المناطق بجودة الحياة التي أصبحت استراتيجية تنفيذية رعاية مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة خالد الفيصل لورشة عمل بناء الإنسان «طموح» الاثنين 28/ 8 /1439هـ. وحقيقة إن مشروع بناء الإنسان وتنمية المكان ليس جديدا، وإنما هو امتداد لمرحلة بدأت منذ عشرة أعوام وصارت اليوم أنموذجا في بناء الإنسان وتنمية المكان. كما أكد سموه أننا فعلا بدأنا جني ثمار الرؤية بمشروعات تنموية على أسس علمية، فلقد شهد توقيع 6 اتفاقيات لمشروع «بناء الإنسان» بالتعاون مع مدينة الملك عبدالله الاقتصادية وبحضور 200 شركة وجامعات المنطقة لتدريب وتوظيف 10 آلاف شاب وفتاة من أبناء المحافظات، إضافة إلى إعطائهم دورات مكثفة في اللغات والبرمجيات. كل ذلك يجعلنا نقف على أعتاب تحقيق الرؤى والأحلام والطموحات في هذا الوطن المعطاء. ولم يبق سوى أن نشكر الله على النعم التي وهبنا إياها، ومنها هذه القيادة الرشيدة التي تعمل على التطوير الشامل ضمن ثوابت الدين والهوية الإسلامية لتحقيق جودة الحياة.

Fatinhussain@