واعظ.. وإيحاءات جنسية مشينة!

قبل شهرين ربما ثارت ثائرتنا حين أقرت الولايات المتحدة ما يخالف الفطرة الإنسانية، وجعلت زواج المثليين قانونيا، ودعونا عليهم أشد ما يكون الدعاء، ولا تثريب في ردة الفعل تجاه الأفعال الشنيعة والمسيئة للإنسانية، لكن الأمرَّ مما فعله الأمريكيون جاء من رجل بيننا توسمنا فيه الصلاح والفلاح، والتوبة النصوح، فارتفعت أسهمه حتى صار واعظا يجوب مخيمات وتجمعات الشباب ناصحا تحت مرأى ومسمع الجميع، محافظا على لقبه القديم قبل التوبة.
في مقطع فيديو جمع هذا الواعظ مع واعظ آخر على كورنيش جدة، في تجمع شبابي يستمعون لما يقوله الواعظان، إذا صاحبنا يخرج عن كل التقاليد الاجتماعية والأخلاقية والدينية، ويسفُّ بالخطاب على زميله الواعظ الآخر المستضيف بإيحاءات جنسية شاذة كما يظهر في المقطع، ويضحك من أعماق أعماقه، ما أوحى لي بأمرين، الأول: أنه يقصد ما يقول حقا ولا يرى فيه شائنة، وهذا شبه مستحيل، والآخر: أنه يقر أن شبابنا منحلّون من عرى الفضيلة لا يجذبهم إلا هذا الخطاب الشائن، وهذا بطبيعة الحال يقود إلى استسهال بعض الأغرار لفاحشة عظيمة، وقد خاض فيها واعظهم المعروف.
وقد اعتذر حسب مقطع فيديو نشر في تويتر عمّا بدر منه، لكنه اعتذار ملوّيٌّ، فالعذر القبيح أن المقطع قديم، وكأن قدمه يمحو شناعته، ثم هروب الداعية إلى تعليق القضية على شماعة (الليبرالية والجامية)، ولا أدري ما علاقتهما بالأمر، وكأنه يريد القول إن ما تبقى من المجتمع السعودي يرتضي الفحش الذي قاله «ولولاكم يا ليبرالية ويا جامية ما تكلم أحد»، وحاشا أن يرتضي المجتمع هذا الابتذال.
خطاب الشباب يا سادة والمزح أثناء الوعظ، أسلوب درج عليه أخيارٌ معروفون، كالشيخ عبدالله المطلق، والواعظ سليمان الجبيلان، والدكتور سعيد مسفر، لكنهم لا يسفّون، ولا يقعون فيما وقع فيه صاحبنا، وأمثاله من الوعاظ غير المؤهلين للوعظ، فقد وجدوا أنفسهم فجأة أمام المتلقين دون تأهيل، ودون دربة أو علم يؤهلهم لمخاطبة الجماهير خطابا واعيا رصينا، يدرك صاحبه متى يكون الجد وفي أي موضع وأي درجة يكون الهزل والمزاح، فما دام الواعظ قد نصّب نفسه لهذه المهمة، فيجب أن يعطيها حقّها من الاهتمام بمواضيعه ورسالته التي يود إرسالها، وكيفية إرسالها أيضا.
والأمر الآخر أن خطأ الواعظ ووقوعه في محظور ديني وأخلاقي أشد وأنكأ من خطأ الجميع؛ لأنه أصبح قدوة في التدين والالتزام بالأخلاق والسمت الإسلامي القويم، فلو جاء الخطأ من شخصية أخرى على فداحته إلا أنه لن يكون كخطأ الواعظ الذي يأمر الناس بالبر، ويبيح لنفسه الخوض في المحرمات.
إن المسؤولية الأولى تقع على كاهل وزارة الشؤون الإسلامية، التي تركت أمثال هؤلاء يتحدثون بما يشاؤون دون حسيب ولا رقيب، وصارت ألقاب (شيخ/‏ وداعية/‏ وواعظ) تطلق على المظهر الخارجي لكل من تزيّا بزي يعرفه الجميع، حتى أضحى المجتمع مسؤولا عن مراقبة أخطاء هؤلاء، سواء ما يمس جانب الأخلاق، أو الجانب الأمني والوحدة الوطنية، ولا عذر مطلقا لوزارة الشؤون الإسلامية من سنّ قوانين صارمة، ومؤهلات ودورات خاصة لكل من عزم دخول هذا المجال، فمن العجيب أننا لا نعلم الفرق بين الشيخ والداعية والمفتي والإمام والواعظ، وقد اختلطت هذه المسميات بزي وهيأة واحدة لا نملك أمامها التفريق.
فلماذا لا يكون لكل لقب اشتراطات علمية وأكاديمية خاصة، فالشيخ من بلغ منزلة علمية عليا ونال الدكتوراه مثلا في تخصصه، والداعية من تزكّيه هيئة كبار العلماء، ويخرج من مجتمع المسلمين إلى ديار غير المسلمين يدعوهم إلى الإسلام، والواعظ من يعظ المسلمين ويذكرهم بربهم في مجتمعنا المسلم، وتكون اشتراطات هذا اللقب العلم الشرعي والخلق القويم قبل وبعد المهمة الوعظية التي يؤديها، أما المفتي فيكون للمنتسبين إلى الهيئة الدائمة للإفتاء، ويعاقب كل من يتجرأ على الفتيا من غير هذه المؤسسة الموثوقة، و(إمام المسجد) وهو من يؤم الناس في الصلاة دون فصل الإضافة.
نحن اليوم يا سادة ما نزال ندفع ثمن الخطابات المتشددة من وعاظ معروفين تابوا إلى الله من ضلال أقوالهم القديمة، لكن تبعات خطاباتهم وأخطائهم ما تزال تسري في جسد المجتمع وأدمغة النشء، حتى خرج أبناؤنا وحملوا السلاح ضد وطنهم وأهليهم، ولسنا بحاجة أيضا إلى أخطاء أخلاقية يضيع فيها شبابنا، فالصفح والغفران سجية متأصلة فينا، لكن بعض الأخطاء لا يمحو أثرها اعتذار ولا تبرير، وعلى هذا فإني أطالب وزارة الشؤون الإسلامية، وهيئة كبار العلماء ووزارة الداخلية بمتابعة هذه القضية وإيقاع أشد العقوبات بحق هذا المتجاوز، وتوضيح عظمة الجرم الذي زلقت فيه قدمه للمجتمع، وأن ما قاله ينافي الدين والأخلاق والفطرة السوية.