الفتاة السعودية بين العمل والزواج وأشياء أخرى!

إن عمل المرأة ليس رفاهية ولم يكن يوما كذلك، فالمرأة كانت تعمل في الحقل في المجتمعات ما قبل الصناعية وبعد الثورة الصناعية، وكانت تعمل للمساعدة في توفير لقمة العيش لأسرتها
واليوم تعمل المرأة لتثبت فعاليتها ودورها في المجتمع ولتعين زوجها على تحمل تكاليف الحياة باهظة الثمن وتكاليف المجتمع الرأسمالي الذي نعيش فيه (شئنا أم أبينا) وأحيانا تعمل لتعيل أسرتها عند غياب الرجل المسؤول في حياتها
طبعا البعض لا يزال يعتقد أن مكان المرأة هو بيتها لخدمة زوجها وأولادها وهذه نظرة عامة ومطلقة فيها كثير من الجور والإنكار لوجود المرأة غير المتزوجة والمرأة التي لم يكتب الله لها الأمومة، فليست كل النساء زوجات (وهن كثيرات) وليست كل الزوجات أمهات! إذن عندما نقول عمل المرأة، علينا أن نضع في اعتبارنا جميع النساء العاملات وليس الزوجات والأمهات فقط، فلا نرفض العمل مطلقا ولا نقبله مطلقا ولا نفرضه أيضا على أي امرأة!فتيات كثيرات هذه الأيام مثلهن الأعلى المرأة الأمريكية في العمل والطموح والمراكز العليا التي وصلت إليها! وهذا ليس مشكلة في رأيي، فالنظر إلى ما حققته الأمم الأخرى من نجاحات لا يعيبنا كمسلمين طالما أننا ما نزال نتمسك بديننا ونؤدي واجباتنا نحو الله ونحو عباده
لكن المزعج في الأمر أن تلك المقارانات التي تعقدها الفتيات السعوديات بينهن وبين نظيراتهن الأمريكيات تتجاهل تماما تاريخ المرأة الأمريكية الحافل بالصراعات والجهود الكبيرة لتصل إلى ما وصلت إليه اليوم وما وصلت المرأة الأمريكية إليه اليوم لم يطرح ثماره إلا في تسعينات القرن الماضي بمعنى أن حصول المرأة الأمريكية على كامل حقوقها (إذا جاز التعبير) استغرق نحو أربعة قرون ابتداء من تاريخ استقلال الولايات المتحدة الأمريكية في 1778
ومن هنا أقول أننا يجب أن نتجاوز مرحلة «تعمل أو لا تعمل» إلى مرحلة «كيف تعمل بأقل الخسائر وكيف تعمل وهي سعيدة وراضية وكيف تعمل وهي زوجة وأم ناجحة؟»
علينا أن نفكر جيدا «كيف تعمل المرأة دون أن تدوس على من حولها! كيف تعمل دون أن تجازف بقداسة الأسرة ودون أن تظلم زوجها وأطفالها!» والمعادلة ليست مستحيلة لكنها محفوفة بالصعوبات والتحديات ليس فقط في مجتمعنا بل في جميع المجتمعات حول العالم
من تطلب العمل عليها أن تدرك أن العمل ليس للتسلية وللبريستيج والتفاخر، بل للإسهام في بناء المجتمع ولإعانة الزوج على أعباء الحياة، وليس لإضافة أعباء على الزوج والأولاد، وبالتأكيد ليست لجميع النساء القدرة والطاقة على خوض تحد كبير كهذا!إن المرأة الأمريكية العادية تعمل في بيتها بنفسها وغالبا ليس لديها خادمة ولا تتلقى من زوجها المساعدة دائما كما نتصور
تقول الباحثة النسوية الشهيرة (نايومي وولف)، إنها اكتشتفت بعد أن تزوجت «صديقها» وأنجبت أنها تعمل في البيت أضعاف ما يعمل وأن مساعدته لها تكاد لا تذكر رغم أنه من أكبر مناصري قضية المرأة وأنها أصبحت تفضل أن تقوم بالعمل بنفسها على أن تتجادل معه في تقصيره في مساعدتها! وهنا تعترف نايومي أن الحركة النسوية عادت إلى مرحلة الصفر خصوصا بعد دراسة حديثة كشفت أن الرجال الداعمين لحقوق المرأة يساعدون في المنزل أربع دقائق فقط أكثر من الرجال الآخرين! إن كثيرا من الأمريكيات يتفرغن تماما للبيت بعد الإنجاب أو يعملن في وظيفة جزئية أو يعملن من البيت
أما المصاريف فهي مناصفة بين الرجل والمرأة في أمريكا، فاستقلال المرأة الأمريكية ليس للعمل والهروب من البيت والتخلي عن المسؤوليات، بل لزيادة المسؤوليات عليها! وهذا ما يجب أن تدركه فتياتنا، فليس العمل رحلة هروب من المسؤوليات المنزلية، بل هو عبء إضافي على عاتق الزوجة والأم!فتياتنا ينظرن لحرية المرأة الأمريكية ولا يدركن الجهد الخارق الذي تقوم به الأمريكيات حتى وصلن لما هن عليه

فتياتنا يقلدن الأمريكيات الساخطات ونجمات هوليوود ولا يعرفن شيئا عن المرأة الأمريكية متوسطة الدخل التي تشقى وتتعب في البيت وخارج البيت
المرأة الأمريكية استحقت حريتها بالعمل والكفاح في البيت وخارجه وليس بالصراخ وبالتفاخر وادعاء الثقافة! المرأة الأمريكية استحقت استقلالها ليس لأنها تعمل خارج البيت وتقود سيارتها، بل لأنها تدفع ثمن سيارتها من جيبها ولأنها عندما تعود للمنزل لا تجلس عاجزة تطلب من الخادمة اللعب مع طفلها نيابة عنها وتنظيف غرفتها وإحضار كأس الماء لها! الاستقلال أمر شامل

لا يمكن أن تكوني مستقلة حقا مهما بلغ منصبك وأنت ترفضين حتى خدمة نفسك وأولادك! لا يمكن أن تكوني مستقلة قلبا وقالبا وأنت تفتقرين لأبسط مهارات الحياة اليومية! الاستقلال والمساواة ثمنهما غال جدا وأهم ثمن تدفعه المرأة العاملة هو التخلي عن الدلال والرفاهية!بعض الفتيات اليوم يردن العمل والزواج دون مسؤولية في البيت

تريد بعضهن أن تخرج طوال اليوم من البيت تاركة زوجها وأطفالها وعندما تعود تتوقع أن يفاجئها زوجها بالزهور والهدايا وسهرة رومانسية

وتفاجأ جدا لو بعد عنها زوجها عاطفيا وهي لم تضع أي شيء في «بنك العلاقة الزوجية»

ليس لديها رصيد و تتوقع فوائد! اليوم المرأة الأمريكية وضعها أفضل منا بكثير لأنها تعرف ما تريد! تعرف أولوياتها وتعرف ثمن اختياراتها وتدرك جيدا أن أمام كل اختيار خسارة ما، فهل فتياتنا على استعداد لدفع ثمن اختياراتهن؟