ما بال فمك معوجا؟

وقف أعرابي معوج الفم أمام أحد الولاة فألقى عليه قصيدة في الثناء التماسا لمكافأة، ولكن الوالي لم يعطه شيئا وسأله: ما بال فمك معوجا فرد الشاعر: لعله عقوبة من الله لكثرة الثناء بالباطل على بعض الناس.
هذه القصة تذكرني بكثير من الإعلاميين عندما يلتقطون خبر تعميم صدر عن مسؤول فيسارعون في الثناء عليه وعلى خطوته الجبّارة العظيمة، وتكثر التنبؤات التي تحمّل القرار حمولات غارقة في الأحلام مما يجعل المتلقي يرفع سقف أحلامه وأمنياته، ليفاجأ صاحب القرار والمواطن على حد سواء أن القرار أخذ منحى بعيدا عن الواقع، فيغضب منه صاحب القرار والمواطن على حد سواء، وبعدها يدرك صاحبنا أن فمه المعوج ليس أكثر من عقوبة اختارها هو لنفسه!يقال إنه جاء رجل إلى الشعبي – وكان ذا دعابة – وقال: إني تزوجت امرأة ووجدتها عرجاء، فهل لي أن أردها ؟ فقال إن كنت تريد أن تسابق بها فردها!وحسب علمي - الذي لا يعوّل عليه - أن أحفاد الشعبي لم يتبق بيننا منهم الآن سوى الشيخ عادل الكلباني، أما أبناء الرجل السائل فهم بحمد الله كُثر في هذا الزمان والمكان، وما زالوا يسألون نفس الأسئلة، فمثلا لو انتقدت قصورا تراه في أي جهة حكومية فإنهم سيأتون بخيلهم وركبهم (ومنشناتهم) يسألونك: هل من المنطقي أن تنتقد والبلد تمر بمرحلة حرجة؟، مشكلة هذا السؤال أنه يأتي من اللا منطق ويريد أن يقنعك بالمنطق، متجاهلين أن النقد والرأي يكونان أكثر أهمية في الأوقات الحرجة، أما في الرخاء والسعة والنجاح فإن الجميع سيصفق لك، وهنا سيجلونك بالسؤال المنطقي الآخر: وهل أحد طلب رأيك؟، وكأنهم بهذا الشأن يرونك متطفّلا أو مستشارا في أحسن الأحوال، وليس شريكا من حقك أن تقول رأيك، ومن حقهم أن لا يتعدى قولي حدود الرأي الذي لا يسيء لأحد، ولا يتعدى ليحاكم النوايا.
فعندما تنتقد مثلا ما تراه خطأ في تصميم بيت العائلة، فهذا لا يخرج عن أدبيات النقد، أما عندما تعترض على طريقة بناء البيت لأنك ترى أن تصميمه بهذه الطريقة قد يؤدي لمفاسد في المستقبل، والدليل الذي استندت عليه في رأيك هو أن أخاك الأكبر المكلف بالإشراف على البناء هو صاحب فكر منحرف يسعى لإفساد الأجيال القادمة من العائلة، فوجود عدد كبير من النوافذ هو مقدمة لفتح هذه النوافذ في المستقبل، مما يجعل أهل البيت يطيلون الجلوس أمامها، ثم تأتي الخطوة الثانية ليتمكن الساكنون من دعوة المارين في الشارع لدخول البيت في زيارات عاجلة، ومع الوقت يعتاد الغرباء على المكوث مدة أطول، وبعد جيلين أو ثلاثة يحس أصحاب البيت الأصليون بغربة في دارهم، فيرحلون ويتركون البيت (في الجيل العاشر).
هذا المثال يختصر الكثير مما نمارسه من نزق يدخل في باب (الحلطمة)، والله المستعان.