سرقة الحجر الأسود

ليس من شيء أكثر تأثيرا على العقل البشري من العقيدة، ولا يوجد ما هو أخطر على الإنسان من فساد عقيدته.
ولأن الإنسان يدرك مدى حاجة الفطرة الإنسانية لإله يعبد وطقوس دينية تمارس، فإنه يستغل هذه الحاجة لمآرب دنيوية بعيدة عن العبودية الربانية الحقيقية.
فالعقيدة سلاح روحي للرقي، حيث تسمو بها الأهداف، لارتباطها بغاية سماوية عليا سامية وهي رضا الله والجنة، فمن السهل أن يكثر المناصرون وترفع عزائمهم وتشحن هممهم، وتقوى إراداتهم.
ومن هنا يتم استغلال هذه الفطرة البشرية بأداة العقيدة والدعوات الدينية، للحصول على نتائج دنيوية.
والتاريخ يشهد بالكثير من ذلك، فكثير من الدول سقطت وأخرى ظهرت لارتباطها بدعوات دينية باطنها يخالف ظاهرها، يظنها السذج دعوات مخلصة تسمو بهم لمرضاة الإله.
وتبعا لذلك؛ يتم التحريف والتأويل والابتداع من عقول بشرية باسم الرب، لنصب الكمائن السياسية والمقاصد الاستيلائية.
وفي نظري العقيدة غير الصحيحة أشبه بغسل المخ كما كان يحدث قديما في بعض الدول، فيتم استخدام طرق تجعل العقل البشري يمتلئ بالأفكار التي تطرح عليه، ويؤمن بها كحقيقة غير قابلة للشك أو التحريف أو الخداع.
ولخطورة هذا الأمر أولى الإسلام لهذه العقيدة عناية فائقة، فقد استمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثة عشر عاما يرسخ العقيدة الإيمانية الصحيحة، وعشر سنوات ـ فقط ـ في المدينة، فرضت فيها الفرائض التشريعية، بعد أن نضجت العقيدة الصحيحة واشتد تماسكها.
فالعقيدة الخاطئة أشد خطرا من العصيان والفسوق واتباع الهوى؛ لأن صاحب المعصية لا يجهل سوء فعلته، وغالبا خطره الاجتماعي محصور، كما أنه عرضة للتوبة النصوح.
غير أن صاحب العقيدة المزيفة بتزييف البشر، تحور الإنسان من عابد للأصنام إلى عابد للمقاصد البشرية، يخضع لنقص العقل البشري وأهوائه وخداعه باسم الدين ومقاصد الشرع.
واستطاعت بعض هذه المعتقدات مسخ العقل البشري وجعله أكثر جاهلية من عصر الجاهلية؛ ليتم كسر حرمة بيت الله الحرام التي كان الجاهليون يتفاخرون بتعظيمها ويتشرفون بخدمة زوار بيت الله الحرام.
حتى في عام 317هـ تم قتل أكثر من ثلاثين ألف حاج، أخذت منهم جثث ثلاثة آلاف حاج تم طمر بئر زمزم بها، ثم اقتلعوا باب الكعبة وقطعوا أستارها وسرقوا الحجر الأسود، وقد تعطل الحج في ذلك العام حيث لم يقف أحد بعرفة، ولم تؤد المناسك وذلك لأول مرة منذ العام الذي فرض فيه الحج.
وبقي الحجر الأسود لديهم اثنين وعشرين سنة ثم بعد ضعفهم باعوه للخليفة المقتدر عام 339هـ بثلاثين ألف دينار وفي أقوال إنهم باعوه بسبب القحط والجفاف الذي أصابهم.
قد أكون ذهبت بعيدا عن بداية حديثي عن العقيدة، ولكن الذي أردت الوصول إليه أن اتباع أهواء البشر في تكوين عقيدتك الدينية، تجعلك أكثر جهلا من عصر الجاهلية.