التطوع وزكاة العمر

إن العمل التطوعي هو عمل تعبدي لا يقوم به الإنسان إلا طمعا في رضى ربه وخدمة للمحتاجين إليه.
قال الله تعالى في محكم كتابه ( وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ).
(وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرا)، أي أتى بخير من الأعمال والأفعال تطوعا، والتطوع هو التبرع بالشيء، (فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ) لعملهم، ومعنى شكره: تقديره وجزاؤه للعامل، (عَلِيمٌ) بأعمالهم، فلا يفوته شيء منها.
وقال تعالى: (فمن تطوع خيرا فهو خير له) وهي إشارة إلى فائدة التطوع النفسية الكبيرة للمتطوع وتأكيد كريم على الخيرية للمتطوع في الدنيا والآخرة، لأنه بذل وعطاء من تلقاء النفس دون دافع مادي إلا رضى الله عز وجل وخدمة الآخرين والطمع في الجنة التي أعدت للمتقين.
إن في العمل التطوعي استثمارا للقدرات والوقت وتحقيق بصمة إيـجابية في المجتمع، والتطوع تجد فيه النفس حياة جديدة يولد معها التفاؤل ويكبر معها حب الآخرين وتصغر معها السلبية وتعظم معها الإيـجابية ويتحقق معها معنى الإيمان والأخوة بأبرز صورها وعطاءاتها، ومن يدخل هذا المعترك الروحاني العالي القدر يلحظ السمو في شعوره وروحه بشكل لم يعهدها عليه، ويزداد لديه حب الناس، كل الناس الفقراء والمحتاجين والأغنياء والموسرين، لأن العلاقة تبادلية بينهم والمتطوع ضابط الاتصال فيها.
وبقي علينا هنا أن نضع إطارا مؤسسيا للعمل التطوعي عامة وتشرف عليه منظمة اجتماعية أو هيئة خيرية أو مصلحة حكومية كوزارة الشؤون الاجتماعية تنظمه وتعرف أطره وتحدد أماكن الحاجة إليه وتستفيد من التجارب للجمعيات الخيرية وتضع لذلك برامج حسب المنطقة والمدينة مع وجود قاعدة بيانات دقيقه تحصر المستفيدين منه والمتطوعين فيه وتقدم الدعم والمساندة لهم، فهم خير من ينقل الصورة المثالية عن المجتمع وأهله بكل طوائفه وأجناسه وأعماره، كما أن على تلك المنظمة أن تبرز عطاءاته وتحدد تخصصاته وتسوق خبراته وتجعل منه واقعا نعيشه ونفتخر به.
فهناك الكثير من أصحاب النفوس الطاهرة يتمنون التطوع ولا يعرفون إليه سبيلا أو لا يحسنون اختيار الطريق الذي يسلكونه ليحققوا ذواتهم من خلاله، وهناك العديد من البرامج والجمعيات تتمنى وجود المتطوعين لكي يحققوا أهدافها ويسيرون معها في ركب الخيرية التي اختارها الله سبحانه وتعالى لهم.
وفي الختام..إن أصدق ما يوصف به العمل التطوعي أنه (زكاة العمر والعلم) وذلك من خلال المجهود البدني الذي يُبذل والمجهود الفكري الذي يُقدم، ثم إن فيه تطهيرا للنفس عن كل ما لحق بها أثناء مشوار خدمتها، مثلما كانت الزكاة طهرة للمال فالتطوع صندوق براءة الذمة الأخروي، وهو بذرة مثمرة يزرعها الإنسان لآخرته ويلاقي به وجه ربه الكريم وقد رجحت بصحائف أعماله ليسد بها نقص واجبات كلف بها أو فرائض قد نسيها أو مستحبات قد أهملها.
فالعمل التطوعي هو أسمى درجات الإيجابية بين الإنسان ووطنه وإخوانه المواطنين، وفيه نشر للقدوة الصالحة بأسمى معطياتها وأطيب مخرجاتها وأصدق عطاءاتها.
وقد أشارت دراسة أمريكية شاملة إلى أنه لو كان بالإمكان وضع التطوع في حبة دواء لأصبحت الأكثر مبيعا في العالم لأنها تزيد المرء سعادة وصحة وعمرا.
وفي دراسة أخرى وجد التأثير الإيجابي للعمل التطوعي على صحة القلب والبدن وزيادة الثقة بالنفس والصحة العقلية والمزاج والعاطفة.