مؤهلات ترشيح إيران لإدارة مكة والمدينة
الأربعاء، ٣٠ سبتمبر ٢٠١٥
حادثة تدافع الحجاج في منى التي نتج عنها استشهاد 769 حاجا ما زال التحقيق فيها جاريا، فحتى هذا اليوم لم تستبن حقيقتها، وهل نتجت عن فعل قصدي، أو عن ثغرة في تنظيم الحجاج، أو عن خطأ ارتكبه بعض الحجاج من غير قصد؟
ومن البدهي أن يكون للدول التي وقع بعض مواطنيها ضحايا للحادث تساؤل عما حدث، وحث على تبيان حقيقة الحادثة، وهذا من بدهيات وظيفة أي دولة ملزمة برعاية مواطنيها في الخارج، لكن كما هي العادة في عالم السياسة في توظيف الأحداث لتشكيل ضغط على الخصوم والحصول على المكتسبات يجري توظيف أحداث الحج لطرح فكرة التدويل من قبل بعض الدول إذا كانت علاقتها بالسعودية تمر بأزمة.
وكان القذافي عرَّاب هذه الممارسة، إذ طالب قبل عقدين بتدويل الأماكن المقدسة، وتحويلها إلى ما يشبه الفاتيكان، ثم حينما تحسنت العلاقة مع ليبيا ألقى القذافي الفكرة خلف ظهره، وتلقفت الفكرة إيران فأصبحت ترفعها حينما تسوء علاقتها مع السعودية، وتضعها على الرف حينما تتحسن العلاقة، وبما أن العلاقات بينها وبين السعودية هذه السنة تمر بأزمة بسبب أحداث اليمن وسوريا فالمصلحة السياسية لها تحتم استدعاء الفكرة من الرف والتلويح بها؛ لتشكل ورقة ضغط على السعودية.
فقد تحدث عن فكرة التدويل بعد حادثة منى ثمانية مسؤولين من كبار مسؤولي إيران، ومنهم المرشد الأعلى، ورئيس الجمهورية، ورئيس البرلمان، ورئيس الأركان، وتحول الحديث عن الفكرة إلى نشاط محموم انطلقت به حناجر الخطباء، وتلقفه وكلاؤها العرب كحسن نصر الله، وبعض زعماء الأحزاب الشيعية في العراق، ووصل التجييش للفكرة إلى ملاحقة كُتَّاب تويتر للرد والهجوم الشرس على من يرفض الفكرة، وملاحقة الاستفتاءات التي تطرحها وسائل الإعلام عن الفكرة، فقد طرحت قناة الحرة استفتاء عن التدويل تقول فيه «هل تؤيد الدعوات المطالبة بوضع مكة تحت إدارة إسلامية مشتركة؟»، فكانت نسبة المعارضين في الأيام الأولى (85,14%)، والمؤيدين (14,86%)، ثم فجأة في يومين فقط قفزت نسبة المؤيدين إلى (49%)، وهذا بلا شك نتيجة لوبي إعلامي موظف لمثل هذه القضايا، وقد أقفل الاستفتاء ونسبة المؤيدين (47,46%)، وبلغ عدد المؤيدين (3047074 مصوتا)، وهذا عدد هائل نادرا ما تصل إليه أعداد المصوتين في المواقع العربية.
حسنا دعونا نوافق إيران على فكرة التدويل، ونرشحها هي لتولي إدارة الحرمين الشريفين، وكما يطلب من كل موظف جديد أن يقدم مؤهلاته، دعونا نتصفح ملف ترشيح إيران، وبما أن ملفها يحوي مؤهلات كثيرة جدا، دعونا نذكر بعضها:
أولا: دستور إيران ينص على أنه لا يحق الترشح لرئاسة الجمهورية إلا من كان على مذهب الإمامية الاثني عشرية، وهذا معناه أن جزءا من الشعب الإيراني وهم حوالي 30% محرومون من حقهم في الترشح لإدارة بلدهم، فإذا كانت تحرم جزءا من شعبها من هذا الحق فكيف تطالب بأن تشارك غيرها في إدارة بلده؟!
ثانيا: إيران مارست أحداثا فوضوية في مواسم حج ماضية، حيث رتبت مظاهرات صاخبة رفع فيها الإيرانيون صور الخميني، وهتفوا ضد عدوهم صدام، ومارسوا العنف حيث اشتبكوا مع رجال الأمن، وقتلوا من رجال الأمن السعودي 85، ومن الحجاج غير الإيرانيين 45، فكم صورة من صور زعمائهم سيرفعونها، وكم من مظاهرة ضد أعداء بلدهم سينظمونها؟ وكم من حاج سيقتلونه لو أداروا الحج بأنفسهم؟!
ثالثا: في ملعب من ملاعب الكرة في بلدهم إيران، وكان الجمهور 20 ألفا أدى الازدحام لقتل مئات، وفي جنازة مؤسس الجمهورية الخميني سقط من جراء الازدحام أكثر من ألف قتيل، وكاد الجثمان أن يُسحق لولا تدخل الطيران، واليوم يموت العشرات والمئات بسبب التفجيرات أحيانا، والازدحام أحيانا أخرى في مواسم التجمعات في النجف وكربلاء، والمدينتان تحت وصاية إيران، ولها اليد الطولى في إدارتهما، فكيف بملايين الحجاج مختلفي اللغات والأعراق والثقافات والتقاليد؟
لا شك أن إيران قبل غيرها تدرك حق الإدراك أن فكرة التدويل فكرة مستحيلة، فلكل دولة سيادة على ما فوق ترابها من بشر وأرض وموارد، وحينما تنتهك هذه السيادة فهذا يؤدي إلى إلغاء مبدأ الدولة الوطنية نفسها، وإذا كانت حجتها في طلب التدويل أن مكة والمدينة أماكن مقدسة لكل المسلمين، ولهم الحق في المشاركة بإدارتها فإنه لا يخلو بلد مسلم من وجود أماكن مقدسة لجمهور المسلمين أو لبعضهم، وهذا معناه المطالبة بالمشاركة في إدارتها، وفي إيران نفسها أماكن مقدسة للشيعة في قم ومشهد فمن حق بقية شيعة العالم الإسلامي في العراق وأذربيجان وباكستان ودول الخليج المشاركة في إدارتها، ومثلها مقدسات الشيعة في كربلاء والنجف وبغداد وسامراء.
أرأيتم كيف أن هذه الفكرة مستحيلة؟ بل هي أقرب للعبث، ولا ريب أن إيران تدرك عبثية الفكرة واستحالتها لكنها تلوح بها في كل مرة تسوء العلاقة بينها وبين السعودية - كما أسلفت آنفا - لتكون ورقة ضغط في سبيل تحقيق مصلحة سياسية، وكثيرا ما كان الدين وسيلة لتحقيق مصالح الدنيا، ولا أبرع من إيران في اللعب في هذا المضمار.