9 كتّاب استثمروا أفكارهم لتغيير السياسة الخارجية الأمريكية
الثلاثاء، ٢٩ سبتمبر ٢٠١٥
صنع العالم: فن وعلم الدبلوماسية الأمريكيةالكاتب: دافيد ميلن الناشر: فرار ستراوس جيروكس، 2015فقد معظم الناس اليوم ثقتهم بطبقة النخبة التي كان أمثال جورج كنان يمثلونها ويعجبون بها، والأهم من ذلك، يبدو أن طبقة النخبة فقدت ثقتها بنفسها.
وفي كتاب «صنع العالم: فن وعلم الدبلوماسية الأمريكية»، يروي أستاذ في التاريخ في جامعة إيست انجليا دافيد ميلن تاريخ قرن من الزمن تقريبا عندما قامت سلسلة من الشخصيات العامة والمثقفة بصياغة خطاب وممارسة السياسة الخارجية الأمريكية بثقة وهمَّة، وأرشدت أمريكا إلى موقعها كأعظم قوة في العالم.
شخصيات الكتاب
حدد ميلن 9 شخصيات ساهمت أفكارهم وآراؤهم المختلفة حول دور أمريكا في العالم في رسم السياسة الخارجية لها من الحرب الأهلية وحتى وقتنا الحاضر، وهم:
1 - الضابط البحري والاستراتيجي الفريد ثاير ماهان.
2 - الرئيس وودرو ويلسون.
3 - المؤرخ تشارلز بيرد.
4 - الكاتب والصحفي والتر ليبمان.
5 - الدبلوماسي جورج كنان.
6 - السياسي البارز ومهندس الحرب الباردة بول نيتزه.
7 - وزير الخارجية هنري كيسنجر.
8 - رئيس البنك الدولي بول ولفويتس.
9 - الرئيس باراك أوباما.
يقول ميلن إن «كل شخصية من هذه الشخصيات انغمست بشكل واع في عملية صنع العالم، واضعين استراتيجيات سعت لنشر القوة العسكرية والاقتصادية الهائلة للبلد، لصنع عالم تكون فيه أمريكا في أفضل موقع يمكنها من الازدهار».
تحدي التوثيق
ورغم أن تأليف مثل هذا الكتاب يواجه خطر التحول إلى مجرد سيرة ذاتية للأشخاص الذين يتناولهم، إلا أن ميلن ينجح في جعله مشوقا وممتعا بسبب الحيوية التي يتناول بها مواضيعه ووضوح أفكاره ولغته الملونة والبسيطة الخالية من المصطلحات المعقدة.
ويعتقد أن التمييز التقليدي بين الواقعية والمثالية أصبح مملا، ويقدم عوضا عن ذلك ثنائية جديدة: الأدب مقابل العلم.
بعض المفكرين، مثل ماهان، كنان، وكيسنجر، يميلون بشكل أساسي إلى التاريخ والفلسفة والأدب؛ آخرون مثل ويلسون ونيتزه وولفويتس، يميلون أكثر نحو العلوم الاجتماعية والسياسية، والاقتصاد والعلاقات الدولية.
في الوقت الذي يميل فيه أعضاء المجموعة »الأدبية« إلى نقل »حس من التراجيديا والحذر« في تناولهم للشؤون الخارجية، يميل أعضاء المجموعة «العلمية» للاعتقاد بأن العالم مرن وطيِّع وأن السوابق التاريخية يمكن تجاوزها، وفي قلب النقاش بينهم يقبع السؤال الدائم الذي طرحه لأول مرة توم باين في 1776: هل تملك أمريكا القوة الكافية لإعادة بدء العالم من جديد؟ كنان ونيتزه يمثلان بوضوح الفرق في التفكير والمقاربة.
فلسفة الشر
في 1949 كلف وزير الخارجية الأمريكي في ذلك الوقت دين اتشيسون الرجلين بكتابة ورقتين حول ما إذا كان على الولايات المتحدة أن تصنع القنبلة الهيدروجينية، كانت قدرتها التدميرية المحتملة رهيبة وهائلة لدرجة أن قرار صنعها كان فلسفيا بقدر ما كان عسكريا.
انعزل كنان في مكتبه وقرأ التاريخ والأخلاق والأدب، ويقول ميلن إنه لدى »تناول قضية لها أبعاد أخلاقية واستراتيجية واسعة، وفي مواجهة سيناريوهات الحالة الأسوأ التي كانت تتضمن نهاية الحياة البشرية على الأرض، وجد كنان نفسه سريعا متعبا جسديا ونفسيا«.
كانت النتيجة تقريرا من 79 صفحة يرفض بشدة صنع القنبلة الهيدروجينية، وكنان قال إنه يفضل أن »تفنى أمريكا بدلا من أن تكون طرفا في نهج شرير لدرجة تجعلها تصنع مثل هذا السلاح«.
الأخلاق والأسلحة
كان كنان قد طلب مشورة عالم الفيزياء روبرت أوبنهايمر، لكن نيتزه ذهب إلى أبعد من ذلك بكثير في محاولته لفهم العلم وراء الأسلحة النووية الحرارية، حيث انضم إلى مجموعة العمل الفنية الذرية التابعة لوزارة الخارجية.
توصيته في النهاية، مدعومة ببيانات علمية، كانت تناقض بوضوح توصية كنان «رئيسه في وزارة الخارجية»، حيث قال إن الادعاءات الأخلاقية لا معنى لها «إذا لم يكن العدو يحمل نفس المبادئ الأخلاقية».
وزير الخارجية اتشيسون اتفق مع نيتزه وقال لكنان إن الحكومة ليست مكانا للوعظ الأخلاقي والديني.
بعد ذلك بفترة بسيطة ترك كنان العمل في وزارة الخارجية وانتقل للعمل في جامعة برينستون الخاصة ذات الطابع البحثي.
التاريخ مرجع
طبيعة الدكتور ميلن وخلفيته العلمية تجعله يميل إلى المجموعة الأدبية أكثر من المجموعة العلمية.
ومن الواضح في كتابه أنه يعتبر كنان قدوة له، ومع ذلك فهو لطيف وعادل مع جميع الشخصيات التي يتحدث عنها، بمن في ذلك أشخاص يمكن انتقادهم بسهولة مثل تشارلز بيرد الذي كان يدعو إلى اتباع سياسة عدم التدخل الخارجي في 1941، والسيد ولفويتس الذي يختلف معه الدكتور دافيد ميلن بوضوح.
في النهاية، يأخذ ميلن موقفا مناصرا للمجموعة الأدبية، لأنه يرى أن التاريخ هو المرجع الأفضل لصانعي السياسة لدراسة الأزمات والتهديدات ومقارنة حجمها بالموارد المتوفرة، وموازنة السمعة والضرورات الأخلاقية، وتقديم الردود المناسبة.
حرية الفكر
النقاشات التي يضمها كتاب «صنع العالم» لها صدى معاصر واضح، ولها انعكاسات في النقاشات الحالية في الشارع السياسي الأمريكي.
تشارلز كتب في خضم الحرب العالمية الأولى أنه إذا كانت حرية الفكر لا تستطيع أن تنجو من الصراع، فإن الحرب لا تستحق خوضها.
وليبمان حذر من اتخاذ القرارات الشعبوية التي يتم اتخاذها في عجلة لإرضاء الشارع دون دراسة هادئة.
كيسنجر يعود إلى القرن التاسع عشر لتوضيح أهمية ومعنى «المصداقية» على الساحة الدولية.
كل هذه الأفكار تؤكد وجهة نظر كنان بأن السياسة الخارجية ليست مجرد شعار يوضع على اللافتات.
يحاول الدكتور ميلن أن يبين أهمية الصدى المعاصر من خلال إدراج الرئيس باراك أوباما كواحد من المفكرين الذين يناقش مساهماتهم في كتابه، وهو يصنفه ضمن المجموعة الأدبية، لكنه يقول إن ما يتميز به أوباما هو «غياب الإيديولوجية».
ستة من المفكرين في كتاب «صنع العالم» حققوا النفوذ والشهرة المبدئية من خلال نشر كتب أو مقالات غيرت طريقة تفكير الناس حول الحكومة والعالم، وهم:
1.تيودور روزفلت
عندما قرأ كتاب «تأثير قوة البحر على التاريخ» تغيرت طريقة تفكيره تماما.
2.ايزنهاور
طلب توزيع ملخص من 24 صفحة من كتاب كيسنجر «الأسلحة النووية والسياسة الخارجية» (1957) على أعضاء إدارته.
3.ويلسون
كتب «حكومة الكونجرس» (1885)، حقق نجاحا شعبيا باهرا.
4.مقال كنان
البرقية الطويلة (1946) بدأ كإرسالية دبلوماسية، لكنه وجد نفسه مجبرا على نشر أفكارها في مقال في مجلة Foreign Affairs للشؤون الخارجية.
5.بول نيتزه
يكتب لشريحة خاصة من الأشخاص الذين لديهم تصريح أمني ولا ينشر كتاباته للعموم.
6.ولفويتس
لم يكتب كتابا مهما عن التاريخ أو الفلسفة أو عن نظريات السياسة الخارجية.
وتكثفت الأفكار التي تنتشر في عالم سري بعد أحداث 11 سبتمبر، ولكن في المقابل كان هناك الكثير من المعلومات التي نشرت للعموم.
المجموعة الأدبية والمجموعة العلمية لهما أسلوبان مختلفان للحصول على نظرة دقيقة.
ويلسون، ونيتزه، وولفويتس كانوا يسعون وراء الحقيقة الموضوعية التي تساعدهم على تحقيق تغيير في الشؤون العالمية.
أما ماهان، وبيرد، وليبمان، وكنان، وكيسنجر وأوباما فهم يعتقدون أن العالم لا يمكن أن يكون كاملا، وأفضل ما تستطيع أمريكا أن تفعله هو أن تضع يدها على ميزان القوة كثقل موازن للشرور في العالم.
المجموعة العلمية تعتقد أن المجموعة الأدبية انهزامية، بينما ترى المجموعة الأدبية أن المجموعة العلمية عقائدية تحاول الوصول إلى المدينة الفاضلة.
»الدكتور دافيد ميلن من مواليد أدنبره (1976)، تلقى تعليمه العالي في جامعات لندن وكامبريدج، وهو حاليا محاضر في التاريخ السياسي في جامعة إيست انجليا«.