مستورة والحمد لله!

البسطاء لا رأس مال لهم سوى أحلامهم، وأمنياتهم التي رغم بساطتها إلا أنها تظل عصيّة على التحقيق، وهذا بحد ذاته مبرر جميل للحياة، لكن ما يحبطهم هي الكلمات المعلبة التي يعتقد الأثرياء أنها محفّزة وهم يرددونها على مسامع الفقراء، كقول ثري يعطي نصيحة مجانية للفقراء بأنه يجب عليهم أن ينظروا للجانب الآخر / المضيء من الحياة، فيما الفقير يشكك أن هناك حياة أصلا!، فالمنظّر الثري يؤمن بأن الحياة يومان، يوم لك، ويوم عليك، فيما الإنسان الكادح البسيط يراها يومين بشكل آخر، فيوم عليه، ويوم للأغنياء، أي إن الحياة يومان يوم عليك، ويوم عليك أيضا!
****
مشهد: تصب الكاميرات الرقمية فلاشاتها الوامضة التي تتهافت بسرعة على وجه الشاب الذي بدوره يبادلها التحية بابتسامة (هوليوودية) لا توحي بأي شيء، ومن ثم تبدأ أضواء الفلاشات وتكتكاتها بالخفوت.. ليتمكن مقدم الحفل من تقديمه للشاب بأنه (من شباب ريادة الأعمال)، ثم يبدأ الشاب متصنعا لأقصى درجات الهدوء، يخفي ارتعاشة يده يتصنّع تعديل وضع ساعته (الرولكس)، ويبدأ بصوت هادئ ورزين وبحّة لافتة، وعند تجاوز ديباجة الشكر وصل للنقطة التي يرددها الأثرياء دوما، وهي نقطة الصفر التي بدأ منها ليكوّن تجارته الممتدة فروعها لعدة مدن، وكالعادة يتكلم عن بضعة الآف كانت كل ما يملك، وجازف بها، ثم واصل حديثه حتى وصل للمنعطف الأهم، وهو لقاؤه برجل أعمال نبيل ساعده في الحصول على وكالة عدد من الماركات الشهيرة.. لم ينته المشهد، لكن في زاوية شبه مظلمة غير بعيدة عن القاعة كان هناك مشهد آخر!
****
مشهد آخر: رجل أمن (سيكورتي) كان يمضغ كلمات الشاب الريادي بمرارة، ويبصقها بنزق، كان يلتقط كلمات الشاب ويلوكها بسخرية صامتة، لفت نظره حديث الشاب عن بدايته من الصفر، وقارن بين الصفر الذي يعرفه والصفر بلغة عائلة الشاب الثرية التي يكفي اسمها ليكون حسن طالع لذلك اليوم، وتساءل لو كان الصفر (العشرة آلاف) والتي يساوي مرتبه لأربعة أشهر تقريباً معه هل سيجازف بها مثلما فعل الشاب؟، وواصل الأسئلة: هل لو كان هذا الشاب مثلي من عائلة مستورة (ابتسم ابتسامة غامضة مع كلمة مستورة) هل سيجازف بعشرة آلاف؟..ثم تمتم بكلام أقرب للهمس: إما أن هذا الشاب لا يعرف معنى مجازفة أو أنني لا أفهم المعنى، ثم واصل ثرثرته الصامتة: لماذا يخجل هؤلاء من كشف ثرائهم وكأنه سر أو عار؟ ما العيب أن يعترفوا أنهم وُلدوا أثرياء، وتعلموا دروب التجارة وأسرارها منذ الصغر مع آبائهم حتى تعلموا وقرروا خوض التجارة التي يعرفونها منفردين؟ لماذا يزاحموننا حتى على قصصنا البائسة مع الحياة، ما المغري برائحة عرقنا وانكساراتنا حتى يدّعوه؟
****
انتهى اللقاء، وتحلّق الحاضرون حول الشاب الريادي لالتقاط صور (السلفي)، بادرت السيكورتي – متعمدا قطع حبل أفكاره – وسألته:
-كيف حالك؟
- مستورة والحمد لله!