تصحيح المسار
الأحد، ٢٧ سبتمبر ٢٠١٥
إن ما أصاب بعض الحجاج في منى يوم العيد أثناء توجههم لرمي جمرة العقبة لهو حادث أليم فجع به المسلمون وتألموا له، واستنفرت له جميع مؤسسات الدولة، ومع عرفاننا جميعا بما قدم ويقدم في سبيل خدمة حجاج بيت الله الحرام إلا أن أوامر الله غالبة وأقداره جارية نافذة قال تعالى (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِير) بيد أن لنا من حسن ظننا بربنا ما يدعونا إلى أن نحتسبهم عند ربهم شهداء قد أقبلوا طائعين واستجابوا راغبين وقبضوا ملبين ونسأله جل وعلا أن يحشرهم في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وأن يرفع مقامهم ويعلي شأنهم ويسبغ عليهم من رحمته ورضوانه وفضله وأن يجبر مصاب أهاليهم كما نسأله أن يلبس المصابين أثواب الصحة والعافية وأن يتم لهم الشفاء.
وقد شكل سمو ولي العهد بناء على أمر خادم الحرمين الشريفين لجنة عليا للتحقيق في ملابسات هذا الحادث والرفع بما يتم بشكل فوري، وإننا جميعا بانتظار الإعلان عن نتائج التحقيق لمعرفة الأسباب التي أدت إلى حدوث هذه المأساة، وقد أتى موسم الحج لهذا العام وسط ظروف استثنائية تمر بها المنطقة العربية وكذلك الإسلامية والعالمية، فالمنظمات الإرهابية زاد نشاطها وتوسع نطاقها ولم تسلم دور العبادة من تنفيذ مخططاتهم الإجرامية ولم يراعوا حرمة الزمان والمكان، والدليل على ذلك استهدافهم وتفجيرهم لبعض المساجد في المملكة العربية السعودية والكويت في شهر رمضان المبارك الماضي فضلا عن قتل الأبرياء من مختلف الجنسيات والديانات، وزاد شرهم وأذاهم في كل من العراق وسوريا ولبنان وليبيا واليمن وغيرها من الدول العربية والإسلامية والعالمية، وأصبح المشاهد والمستمع والمتابع لوسائل الإعلام المشاهدة والمسموعة والمقروءة متعوداً على مشاهدة وسماع أخبار القتل والتدمير والتفجير والفوضى غير الخلاقة التي خطط لها الغرب، وللأسف الشديد نفذ معظمها من يدعي أنه مسلم والإسلام منه براء.
وقد سبق موسم الحج بحوالي عشرة أيام سقوط رافعة ضخمة على بعض المصلين والمعتمرين والعاملين بالمسجد الحرام نجم عنها استشهاد أكثر من مئة وعشرة أشخاص، وإصابة أكثر من مئتين منهم تغمد الله بواسع رحمته الأموات منهم وأسكنهم فسيح جناته ومنّ بالصحة والعافية والشفاء العاجل على المصابين منهم وألهم الجميع الصبر والسلوان، وكعادة القيادة الرشيدة في بلادنا الغالية فقد تعاملت مع هذا الحادث المأساوي بأقصى درجات الرعاية والعناية لذوي المتوفين والمصابين، وقام خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده وسمو ولي ولي العهد وسمو أمير منطقة مكة المكرمة بزيارة المصابين في المستشفيات كما قاموا بتفقد موقع الحادث في المسجد الحرام، وبعد انتهاء التحقيقات صدرت مجموعة من القرارات من الديوان الملكي تتضمن تعويضات لذوي المتوفين والمصابين من الدولة وفرض عقوبات على الشركة المسؤولة عن تنفيذ التوسعة السعودية الثالثة للمسجد الحرام وكذلك الشركة المشرفة على تنفيذ المشاريع الضخمة، وهذه العقوبات الهدف منها ردع المقصرين والمتهاونين في أداء الأعمال المنوطة بهم، ومن أبرز العقوبات التي تضمنها بيان الديوان الملكي إيقاف تصنيف مجموعة بن لادن ومنعها من القيام بأي مشاريع جديدة ومنع أعضائها من السفر، وفي رأيي فإن هذه العقوبات الصادرة بحق هذه المجموعة تعتبر بمثابة تصحيح للمسار فلا يخفى على الجميع أن هذه المجموعة تحظى بوضع خاص للغاية، فهي لا تخضع لنظام المناقصات ولا ينكر أحد جهودها في عملية البناء والتنمية إلا أنها أخذت وضعا استثنائيا لم تحظ به غيرها من الشركات المنافسة، ومن مزايا هذا القرار تساوي الفرص أمام الجميع وتفادي الهدر الكبير من الموارد وضمان الجودة ورفع مستوى الرقابة على تنفيذ المشاريع وزيادة مستوى الشفافية، وعلى الجميع أن يدرك أننا نعيش حاليا في مرحلة جديدة لا مجال فيها للتفريط أو التقصير أو التهاون، وللدلالة على هذا القول كان تصريح الأمير خالد الفيصل مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة عقب تفقده المشاعر المقدسة قبل موسم الحج بعدة أيام من أن خادم الحرمين الشريفين سيحاسب الجميع على أي تقصير بعد موسم الحج، وهذا وحده كاف لإعطاء مؤشر على أبرز ملامح سياسة خادم الحرمين الشريفين حفظه الله الحالية والمستقبلية، وهذه السياسة هي سياسة شرعية في المقام الأول سيتم تطبيقها تحقيقاً للمصلحة العامة وسوف نشهد في الشهور القادمة بإذن الله تصحيحاً للمسار في أكثر من مجال، وإن غداً لناظره قريب، والله الهادي إلى سواء السبيل.