ثلاثة أعياد.. وهمسة في أذن الوطن!

الله أكبر الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد..أدى الحجيج فريضتهم بأمن وسلام، وتأهبوا للعودة إلى ذويهم كيوم ولدتهم أمهاتهم ـ بإذن الله ـ وأبناء الوطن القائمون على خدمتهم في أطهر بقاع المعمورة من موظفين ومتطوعين يتبادلون التهاني على نجاح الحج بجميع خططه، شاكرين الله ـ جل وعلا ـ على توفيقه وامتنانه.
هذا اليوم الثالث من أيام عيد الأضحى المبارك أعاده الله على الوطن وقيادتنا الرشيدة والأمة الإسلامية باليمن والبركات، والعزة والأمن والرخاء، ولا أظن عيدا قد مر على بلادنا كهذا العيد، إذ تزامنت ثلاثة أعياد على التوالي، الأول عودة الحكومة الشرعية إلى عدن بقيادة الرئيس اليمني عبدربه هادي، في دلالة على النصر الذي حققته عاصفة الحزم بقيادة المملكة العربية السعودية، وأن ما تبقى لا يعدو أن يكون تطهيرا لباقي الأراضي اليمنية العزيزة في أيام قليلة بإذن الله، ثم الذكرى الخامسة والثمانون لتوحيد المملكة العربية السعودية (اليوم الوطني)، والثالث عيد الأضحى المبارك.
إن اليوم الوطني للمملكة العربية السعودية ذكرى مهمة نتذكر فيها نعمة الله العظمى على سكان هذه الأرض، نعمة (الأمن) التي لا تعادلها نعمة، فإن عده (إبراهام ماسلو) ثانيا في هرم الاحتياجات الأساسية للإنسان بعد الصحة والغذاء، فإني أعده الأول؛ إذ لا صحة ولا غذاء دون أمن، وما سمعناه من كبار السن مشافهة عن أيامهم المضطربة قبل توحيد المملكة يكفي لأن نحتفل جميعا بما نحن فيه اليوم من أمن ورفاه، وتنمية تدور عجلتها رغم أنف المعوقات الداخلية والخارجية، وفي ذهن كل منا أحلام وأمان ترضع الضياء من ازدهار الوطن ورفعته.
أمن المملكة مطلب عالمي؛ فهي مصدر الطاقة الأول لكل العالم، ومطلب إسلامي؛ كونها مهوى أفئدة أكثر من مليار مسلم، ومطلب عربي؛ لأنها قلب العروبة النابض عزة وإباء، ويجب أن يستشعر أبناؤنا هذه المفاهيم، ولن يستوعبوها كما نرجو ونحن جامدون على (الأوبريتات، والأغاني الوطنية، والخطابات النمطية المعلبة، والحفلات المدرسية المتواضعة)، وأقصى ما يؤديه البعض ارتداء الوشاح الأخضر أو تعليق أيقونة العلم الخضراء على جيبه، ولا نلتفت إلى غياب الاستراتيجيات الكبرى في إحياء هذه الذكرى، فالمسرح غائب تماما ولا يؤدي دوره المأمول، والدراما بعيدة كل البعد عن استحضار الماضي، بويلاته وشقائه، وعذابات أجدادنا خوفا وجوعا وحاجة تجبر الحر أن تخور قواه وتمتهن عزته وكرامته، وكذلك ما لقيه المؤسس ـ يرحمه الله ـ من عناء، وما بذل من تضحيات في توحيد الوطن، لنرسخ في أذهان الأبناء قيمة ما يعيشونه اليوم، فخطاب المحاضرات والدروس لا يؤدي عُشر التصور الذهني العميق الذي ترسمه الدراما في ذهن المتلقي، ناهيك عن غياب استراتيجيات السيطرة واحتواء الغوغاء التي تفور بها أرواح الشباب في شوارع الوطن ومجمعاته التجارية، ولا نملك إزاءها إلا الشجب والاستنكار في مواقع التواصل الاجتماعي، أو في الصحف وشاشات التلفزة، ثم يبدأ الخطاب التلقيني الوعظي العقيم (المفروض والمفروض!!)، ويتشعب إلى شعبتين، تتجه الأولى إلى النصح العتيق الذي لا يُلتفت إليه، والثانية إلى لوم الشباب واتهام نواياهم، ولوم العقلاء على الاحتفال باليوم الوطني، حتى يصل القول ببعضهم إلى (التحريم).
إن الركود والقناعة بالتعاطي التقليدي لذكرى اليوم الوطني على مرور الأعوام دلالة على استسلامنا وركوننا إلى المقولة السلبية (مشي حالك)، فالبرامج المعدة لليوم الوطني لا تعدو أن تكون أفكارا معلبة، وقوالب جامدة، والمؤسسات الثقافية والفنية توجه برامجها إلى جمهور لا يختلف كل عام، واحتفالات البلديات وإمارات المناطق تصر على خطاب وطني معلب لا يتبدل كل عام، فإلى متى لا تبحث الجهات العليا والأكاديمية عن استراتيجيات عليا لمناسبة اليوم الوطني، في ظل معاناتنا من أزمة في (الهوية الوطنية) ومعنى المواطنة الحقيقي، ودلالة هذه الأزمة لا تظهر في الأقوال، بل تتجلى في السلوك، فالعبث بالمقدرات الوطنية العامة، والعبث البيئي، والعبث المروري، واستنزاف الثروات، والفساد، والجشع والغش التجاري، وارتماء أبنائنا في أحضان الآخر، وغيرها، كلها مؤشرات على عمق أزمة هويتنا الوطنية، ولا مناص من صياغة برامج فاعلة لتخطي هذه الأزمة بخطاب واع، ومنوع، يحقق المأمول، ويكسر النمطية والقوالب الجامدة.
وقبل الختام يجب أن تصبح ذكرى اليوم الوطني نقطة بداية لكل عام، نستعرض فيها ما أنجز بين الذكرى السابقة والآنية من مشاريع التنمية، وتكريم أبناء الوطن الذين رفعوا اسمه عاليا في المحافل الدولية بأنواعها، من مخترعين ورياضيين وعسكريين وعلماء وأطباء ورجال أعمال وغيرهم، ثم الإعلان عن الطموحات والخطط القصيرة قبل الذكرى المقبلة، حتى تكون لليوم الوطني نكهته الخاصة، وقيمته الموضوعية.
وكل عام وأنتم والوطن والأمة الإسلامية، والإنسانية بخير وأمن وسعادة وازدهار.