العيد الكبير

هذا هو اسم عيد الأضحى لدى معظم الأقطار العربية والإسلامية، الذي يميزه عن عيد الفطر بصفة «الكبير»، دلالة على اتساع مساحته في الزمن؛ فهو أربعة أيام تبدأ يوم العاشر من ذي الحجة وتنتهي آخر أيام التشريق الثلاثة؛ وذلك مقابل يوم واحد لعيد الفطر.
وقد تعود تسميته تلك إلى «الحج الأكبر»، الاسم الذي رجحت بعض الروايات تسمية الرسول صلى الله عليه وسلم به يوم النحر، وعلل بعض الشراح التسمية بأن أكثر أعمال الحج فيه.
وهو عيد كبير بالقدر الذي تمثله شعيرة الحج في هذا اليوم، حين تأتي مئات الآلاف من المسلمين من أرجاء المعمورة، استجابة لأمر الله تعالى على لسان نبيه وخليله إبراهيم عليه السلام، فيحتشدون بعد وقفة عرفة على صعيد منى، لاهجين بالتكبير والتهليل والتحميد، حتى لترتج جبال منى مرددة معهم، وتسيل أباطحها بجموعهم، وقد ارتفعت أكفهم إلى السماء تطلب رحمة الله ومغفرته وترجو عفوه ورضاه.
يأتون جميعا رجالا ونساء، صغارا وكبارا، بألسنة مختلفة، ووجوه متعددة، وسلالات متباينة.
هنا والآن، المكان واحد والزمان واحد: أي عظمة تستوعب وصف هذا الائتلاف الروحي الغامر! أين يتكرر هذا الجمع البشري لأي مقصد إلا إلى أرض الله الحرام؟!وهو عيد كبير في المعاني التي يسطع بها، والقيم التي ينيرها، والمشاعر التي يجلوها، فما أتفه الإنسان في قبضة العدم! وما أصغره في لهاث الغريزة وحقارة النرجسية! يا لبؤسه حين يتوحش أو يظلم أو يعتدي أو يخون أو يجهل...!

ويا لخيبة المسلم، من بين خلق الله، حين لا يكون له من دينه ما يهديه إلى البر وينأى به عن الفجور؛ حين لا يضيئه من شعائر ربه ما يرتفع به عن افتعال العدوان على المسلمين، فضلا عن غيرهم من بني الإنسانية.
لماذا يعتدي المعتدون باسم الله؟ لماذا يقتل القتلة باسم الله؟ كم يقتل المسلمون بعضهم باسم الإسلام؟ كم يلبسون على دينهم بأطماعهم وأهوائهم؟عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم النحر، فقال: يا أيها الناس أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام، قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام، قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام، قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا.
فأعادها مرارا، ثم رفع رأسه، فقال: اللهم هل بلغت اللهم؟ هل بلغت؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما: فو الذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته، فليبلغ الشاهد الغائب: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض.
هذا هو العيد الكبير الذي كبر باجتماع دلائل الحرمة والتعظيم فيه، للزمان والمكان وللدماء والأموال والأعراض.
كما كبر باجتماع حشود الحجيج من أقطار الأرض، وتساميهم بالتقوى.
وأظن أننا نحن السعوديين، من بين الشعوب الإسلامية، أكثر استحضارا لدلالة الحج في عيد الأضحى، فهو «عيد الحج» كما هي تسميته الشائعة محليا، وهو بالطبع «العيد الكبير»، كما هي تسميته الشائعة في العالم العربي والإسلامي، استيحاء للمعاني نفسها التي صار بها كبيرا، ولكن بحسابات تجاه حدث الحج، أكبر حدث سنوي تحتشد له قوة المملكة بأجمعها.
اللهم تقبل من الحجاج حجهم، وألهم المسلمين معاني حرمة الدماء بينهم، ورد الإنسانية إلى العدل والتراحم.
وهنيئا لكم العيد السعيد.