في المصعد المتعطل

في كثير من الأفلام، وكثير من قصص الواقع، نسمع عن حكايات تحدث في المصعد المتعلق.
ذلك الصندوق المغلق بإحكام، والذي تتصلب دورات تروسه على بعد شاهق من الأرض!.
طائر بين السماء والأرض، ولكنه ليس كمثل الطائرة، التي يتبين لمن يركبها حقيقة ما يحدث بالخارج، ليعيش بعدم المعرفة موتا كاملا قبل أوانه.
تجربة عسيرة نتمنى ألا يمر بها حبيب، ولكنها إن حدثت فقد تعني الكثير لمن يستشف من حدوثها العبر، والأكثر بكثير لمن يمتلك الغريب من المشاعر، والنادر من الذكريات.
فإن يُحكم عليك أن تكون في داخل هذا الصندوق المتحرك المنفصل عن الواقع، بواقع مظلم مجهول يسمح للمخاوف بأن تكون وأن تتضخم، وللمعدن الأصيل أن يظهر، وللمشاعر الحقيقية أن تهجر أوراقا لامعة ملونة كانت تخفي حقيقتها عن أقرب المشاعر.
وقد لا يطول وقت تعطل المصعد، ولكن دقيقته تعتبر دهرا عند البعض ممن يرهبون الأماكن العالية، والمغلقة، ويعانون من مخاوف الوحدة وكوابيس الموت.
وهنا لا أريد أن أزيد الضغط النفسي على أحد، ولكن التعطل قد يصاحبه دراما وأضواء، وموسيقى صاخبة متخيلة بصراخ وعويل، وربما هستيريا، تذكيها أصوات تقطع أسلاك المصعد، أو تكسر التروس، وربما فرقعات تدل على حدوث حريق، أو تعطل للأضواء والتهوية داخل المصعد.
الأمر يشبه سيناريو مسرحية رعب، وأنت جزء من تركيبتها الدرامية التراجيدية.
معادن النفوس يزاح عنها الصدأ، وتتكشف ساعتها، فالبعض يلتصق بالجدار مرددا الدعاء للخالق بأن يزيل عنه الشر بأسرع وأهون وسيلة، والبعض سيصرخ غضبا، ويصفق ويركل الجدران ويشتم، ويطلب العون ممن يسمع، والبعض سيعلوه اللون الأصفر منزويا بركن المصعد، والبعض سيشعر بأن المخاوف أصابع وحش تخنق أفكاره، وتعجزه عن استرداد النفس.
البعض سيخرج عن طوره بنوبات ضحك، وهو ينظر للآخرين مستهزئا بما يفعلون، وربما يغفل عن عجيب حالته، التي تدعو للشفقة.
البعض سيتوب ويؤكد أن الله يجازيه بشرور أفعاله، والآخر سيصمد متحسبا، ومنهم من سيبوح لمن معه في المصعد بما لم يبح به يوما لأحبابه الأقربين بشفافية وصدق، ومعترفا بذنوبه وعيوبه.
البعض سيتمنى أن يمسك بيد الشخص المشارك له في الأزمة مهما اختلف لونها وملمسها، والبعض سيتمنى أن يحضنه أي مخلوق ليطرد بنبضاته جزءا من مخاوفه.
وكلهم يُعذرون، فهم في عمق غرابة صندوق مثل قمقم العفاريت، لا يعرفون هل سيخرجون منه، أم إنهم سيسكنون بجوفه قاع بحر من الظلمات.
النفس البشرية هنا تتجلى، وتمر بحالة من الشفافية، أو العتمة، لم تعهدها، والخوف سيكسر كل مرايا التجمل، ويكون الشخص أقرب إلى حقيقته من صورته المرسومة أمام الناس.
تجربة، ومهما مرت بأسرع مما يتخيل صاحبها، إلا أن عقله الواعي يخرج منها ببعض الندب، والرتوش، والقيم، والشعارات، والجروح، والضحكات.
وفي الغالب فإنها تُنسى بسرعة عجيبة، ولا يعود لها أثر إلا في العقل الباطن، فتعود في ساعات الوحدة، أو حين تكرار التجربة.
صدقوني أن المصاعد الزجاجية تكون أخف وطئا عند حدوث عطل بها، فعلى الأقل سيرى المتورط بجوفها حقيقة ما يحدث بالخارج، خيره وشره، ولا يترك مخاوف مخيلته تتفاقم وهما لتشعره بأنه يعاني من كابوس أسود.