تربينا على خدمة الحاج
الاثنين، ٢١ سبتمبر ٢٠١٥
قد ينظر البعض نحو المطوفين وأبنائهم نظرة مليئة بالشك والريبة، البعض اتهمهم باستنزاف أموال الحجاج دون خدمة تقدم، وآخرون يرون أنهم غير ملتزمين بما تعاقدوا عليه مع الحجاج، لكنهم لا يعرفون أن هناك عبارة رقيقة رددها الآباء والأجداد حروفها قليلة وجملتها قصيرة مضمونها «أكرم الحاج يكرمك الله»، والتي كانت كثيرا ما تردد على ألسنة آبائنا وأجدادنا، الذين كانوا ينظرون إلى الحاج نظرة مليئة بالحب والرغبة في خدمته سعيا لكسب حسنات بدعوات صادقة يطلقها ذاك الحاج القادم من قرية صغيرة كلما قدمت له خدمة، أو أسديت له مساعدة.
ومع مرور أيام الزمن وتسابق البعض نحو الدرجات العلى من المال والوجاهة، بقي أبناء المطوفين وأحفادهم ملتزمين بما تعلموه وتربوا عليه، ففي كل موسم حج ينزع المطوف جلباب الوجاهة الاجتماعية والمكانة المالية، ويتجه صوب حافلة قادمة محملة بالحجاج.
وإن كانت الأيام مضت والسنين تلاحقت فإن المطوفين لم يغيبوا عن ساحتهم الخدمية، فالآباء وإن رحلوا فإن الأبناء قد حلوا مكانهم، وهي سنة الحياة التي وإن غيبت الأب والجد من قبل، فلن تغيب الابن المطوف عن القيام بواجبه، لأنه المكي الذي ارتوت عروق جسده من ماء زمزم الطاهر، وسار بين بطحاء مكة المكرمة وجبالها خادما للحجيج، وهو الذي تشرف بنيل الكثير من الثناء والمديح، وقبل هذا وذاك نال شرفا عظيما بخدمة جليلة.
ومكة المكرمة اليوم والتي تهافت أبناؤها لاستقبال ضيوف الرحمن، بعشق وإحساس لشوق، يرون في إحرام الحاج جمالا لا نظير له، يضيء أعينهم وينير أفئدتهم، ويدركون تماما بأن هذا الحاج القادم صوب مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، قد تجرد من زينة الحياة الدنيا، وترك المال والأهل والولد، وحل راجيا رحمة ربه وغفرانه.
وهم كمطوفين جندوا أنفسهم لخدمة الحجيج، لذلك فمن الصعب الحديث عن الخدمات التي يقدمونها لضيوف الرحمن خلال موسم الحج بإيجاز، لأنهم في كل عام لهم أعمال تبرز خدمات مستحدثة وخطوات عملية جديدة وبرامج تطويرية يقومون بها، بهدف راحة الحجيج وتمكينهم من أداء فريضتهم بيسر وسهولة، مستعينين بالله سبحانه وتعالى، وبالدعم والتشجيع الذي يقلونه من قيادتنا الرشيدة.
لذلك نراهم ـ أي المطوفين ـ متواجدين بكل بقعة يحل بها الحاج، حتى أولئك الذين يرقدون على الأسرة البيضاء من ضيوف الرحمن لهم من الاهتمام والعناية الكثير، فعبر برامج خدمات الحجاج المرضى يسعى المطوفون من خلال مؤسساتهم واللجان الصحية التابعة لها إلى متابعة أحوال الحجاج الصحية بشكل دائم ومستمر، وبعيدا عن خطوات مؤسسات الطوافة العملية، فإن خطواتها التطويرية تؤكد أن عبارة «أكرم الحاج يكرمك الله»، ما زال المطوفون يرددونها جيلا بعد جيل، لإدراكهم أن كرم الله يأتيهم من إكرامهم للحاج.