الكتابة في الخيال العلمي

إذا كان العلم متقلصا، وشبه منعدم في أمة معينة، فلن يكون فيها مجال للخيال العلمي، لأنه عندها يعد ضربا من الهوس والسحر والشعوذة، وليس من الخيال البناء التراكمي المتنبئ بما يمكن أن يكون، ضمن أسس حضارة علمية حالية، تؤكد أن المعرفة تسير في خط متصاعد، وبشكل منتظم لمزيد من المعرفة، ومن ضياء استشراف الواقع، وهذا ما حصل بالضبط لكاتب الخيال العلمي والأديب الروائي (راي برادبري)، مؤلف رواية (451 فهرنهايت)، والتي صدرت عام 1953م، وكانت
أول من تنبأ بحدوث ما نحن فيه من ثورة في الاتصالات، والمعلوماتية، ونبذ للورق في ثقافات الشعوب، وكان ذلك قبل نصف قرن من الزمان، وقبل أن يكون بإمكانية عقل تلك الحقبة تخيل ما نحن عليه اليوم، من شيوع القراءة والكتابة والتعلم، والتفكير، والتدريب من خلال أمواج أثير وأضواء شاشات أجهزة عظيمة الدقة، نلامسها بأصابعنا، وسماعات ندسها في آذاننا، وعدسات نلصقها على أعيننا لنشعر بأن عصرنا لم يعد عصر الورق.
وقد رثاه رئيس الدولة الأمريكية باراك أوباما في ذكرى وفاته قبل ثلاثة أعوام، بخطاب تأبين وفخر قال فيه: قد أعاد تشكيل ثقافتنا وجعل العالم أكثر اتساعا.
وقد اختار الكاتب لروايته اسم (451 فهرنهايت)، وهي درجة الحرارة التي يشتعل عندها الورق، كنوع من الرمزية.
وقد حظيت روايته بشهرة عالمية واسعة، وتم اقتباس فكرتها في أفلام ومسلسلات عديدة.
وفي 21 أغسطس 2015م قدمت لنا صحيفة مكة تقريرا صحفيا مفصلا عن هذا الكاتب مشتملا على نصائحه السبع، وبما يشبه دستور الخطوات الهامة الضرورية لصنع الخيال العلمي، ومنها:
1.أن يكتب الكاتب باستمتاع ذاتي يبث الحياة والمتعة في أطراف كتاباته، فلا يكون نصف كاتب.
2.ضرورة الإسراع بكتابة مسودة المشاعر، والحالة النفسية، والتخيلات دفعة واحدة، ودون تعطيل بمنهج العقلانية والنقد.
3.عدم فرض عالم الكاتب الخاص على أفكاره، ووضع نفسه في الحدث، وتحريرها من القيود.
4.عدم وضع المال أو الشهرة هدفا لما يكتب، ولو حصلت لاحقا، فتكون شبه مكافأة.
5. تنمية الإلهام يوميا، بالقراءة والكتابة والتخيل المستمر.
6.عدم الخوف من تكشف أسرار ومخاوف الكاتب، والتي تمثل مفاتيح الإبداع، وتثمر أفضل الأفكار، وأكثرها جدة وجودة.
7. لكي يفاجئ الكاتب قراءه، لا بد أن يفاجئ نفسه أولا، بالجديد، والغريب، والربط المدهش بين الأحداث.
وتلك لعمري خلاصة تجربة ثرية بالمعرفة يجب أن يستفيد منها جميع الكتاب، ولو أن المعضلة كما أشرنا في المقدمة، أن الخيال العلمي لا يكون مقبولا من كاتب يعيش في عالم متخلف، تحرمه الروايات من الجديد، حين يضخمها، ويحدد بها ما يكون، وما لا يكون، والخيال العلمي مثل أي إبداع يحتاج إلى سقوف من الحريات لا يسمع معها كلمة ممنوع.
وهو في نفس الوقت يحتاج إلى أسس متينة من العلم، فشخص لا يعرف كيف تعمل البطارية، أو المغناطيس، والحاسوب، ولا كيف تحترق الورقة كيميائيا، لا أظنه يمتلك الإقناع في جرنا معه إلى خيال علمي، مبتكر، يثير عجب الجميع.
قبل نصف قرن من الآن، من يا ترى كان يحلم بما حلم به هذا الكاتب، ومن تراه صدق حدسه، وجاراه في حلمه العجيب؟.