مجتمع (التوحش): غياب لـ(الفكر والعلم والأدب والفن)!!

(1) «شاب يقتل عائلته المكونة من أب وأم وأختين».. «رجل ينحر زوجته لمدة خمس دقائق كاملة، بعد أن يفشل في خنقها، مدعيا بأن ثمة من أوهمه بأن ذلك العمل سيدخله الجنة»..» ساطور ضخم ينهي حياة أب سبعيني بيد ابنه».. «أب يربط ابنه بالسلاسل لأسبوعين كاملين في سطح المنزل»..!!
هذا ما تنقله لنا وسائل الإعلام (بصدق وبدون مبالغة) عما يجري في مجتمعنا، خلال هذه المرحلة الزمنية، التي نعيش اللحظة قسوتها وتوتراتها واضطراباتها، بفعل العنف المتصاعد من الجماعات و(الميليشيات) المتطرفة المنحرفة، التي أصبحت سمة العصر (كله) !!
(2) لا شك أن حالات التطرف والعنف والقسوة والإقصاء تزداد عاما بعد عام خلال (الأربعة) عقود الأخيرة من زمن (الوطن). يحدث هذا رغم هيمنة الخطاب (الديني) - وليس الدين بالتأكيد - ورغم (انفتاح) المجتمع على فضاءات مختلفة كثيرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ورغم الهدر المالي الكبير لإصلاح المؤسسات التعليمية والتربوية في المكون الاجتماعي العام!
(3) ثمة ثلاثة مكونات رئيسة، يفضي وجودها (الصحيح) في المكون (العام) لنهضة المجتمع، و(سلامته) من شواهد الانحراف والانحطاط والتطرف، وهي المكون الديني (الحقيقي) الذي يسمو بالأنفس فوق (غرائزها) و(إحباطاتها)، ليحلق بها باطمئنان في آفاق علوية، تستكين لها النفوس وتسعد، وتكون مهيأة لاستقبال أشعة الكون الصحية اللائقة، التي تستفز الأجساد للعمل الذي تتحقق به خلافة الله المستحقة على هذه الأرض، وثاني المكونات هو المكون (العلمي) الذي (يوجه) العقل، بعيدا عن شواهد خطابات التجييش الانفعالي العاطفي، وخطابات التطرف والتوحش والعنف، والنظرة إلى العالم من زاوية (متضخمة) للذات المستبدة!، وأخيرا (المكون الأدبي الفني الجمالي) الذي يبلغ بالإنسان درجات الدهشة المحققة لإمتاع الحواس الإنسانية، بما يشغلها عن (ممارسات) حسية شاذة، ويقودها إلى أرجاء تتحرر بها الأرواح من نداءات الواقع المفعم بتعقيدات السياسة والمجتمع، ويهذب أنساقها القصية لتحتفي بنداءات الحق والخير والجمال!
(4) هذه المكونات الثلاثة تعمل مترابطة باتساق في الذهنيات الجمعية، فـ(سلامة) الخطاب الديني، الذي يصنع المكون الديني الصحيح، يفضي إلى (استجابة) مشروعة لقيم الموضوعية والحياد والمنهجية، التي هي من أبرز سمات (المكون العلمي)، كما أن (المكون الديني الصحيح) يتسامح مع شواهد الآداب والفنون بتجلياتها المختلفة!!
وبالتالي فلن نجد مجتمعا يحتفي بخطاب (العلم) و(يجرم) خطاب الأدب والفن في اللحظة نفسها... وهكذا!!
(5) في مجتمعنا نجد أن هذه المكونات الثلاثة مختلة ومضطربة و(مضروبة) إلى آخر مدى..
فـ(المكون الديني) بفعل خطابات دينية/‏ دنيوية: صحوية ليقظة اجتماعية متطرفة، وإخوانية لاستحقاقات سلطوية نفعية، يهمش ما ينتجه مكون (العلم)، و(يحرم) أجناس الأدب والفن والجمال المشروعة الممكنة! ولم تستطع المؤسسة التعليمية في بلادنا إنتاج خطاب علمي ثقافي (حقيقي)، يغرس مبادئ العلوم وغاياتها ومرتكزاتها في العقول، ويحتفي بقناعات راسخة بالموضوعية (الممنهجة)، وبالتعددية الزاخرة بالحوار وتنوع الأصوات، بسبب (ترهل) أداء هذه المؤسسة، و(تشتت) أفعالها، و(قصور) أدواتها الفاعلة في المدارس والجامعات!
هذه الهيمنة لخطابات فكرية/‏ روحية، أججت إحباطات الواقع وتسلط رموزه، بدلا عن مساعدة الإنسان على تجاوز واقعه المحبط لآفاق روحية أكثر صدقا وسموا، والانتقال من التسليم الكامل للرموز البشرية إلى الرمز المطلق الرباني (الأوحد) جل شأنه!
كما أنها عملت (في الاتجاه المضاد) لتيار الأدب والفن والجمال، الذي يأتي في الكون مكافئا لصوت (الأنهار) و(الأطيار) ولون (الآفاق) وشكل التضاريس!
(6) ..إذا فلكم أن تتخيلوا مجتمعا -أي مجتمع- بلا خطاب ديني (صحيح) يهذب الأنفس ويعدل السلوك ويقرب بين البشر، وبلا خطاب علمي (يشعل) العقول للتفكير المتأمل المنتج، وبلا خطاب أدبي فني يرقق المشاعر ويهيئ الحواس للافتنان بالجمال وشواهده في الكون الرحيب!!.