عود الثقاب وصاحب الفتنة
السبت، ١٩ سبتمبر ٢٠١٥
يصعب تجاهل أو تغطية مسير البعض في طريق الفتنة ورعايتها وأيضا توسيع منافذها. هذا ما تفسره تصرفات حاضني نزعة الغلو والتشدد المنشغلين بتحريك عجلة التأثير على اللحمة الوطنية، وهذا ما تكشفه الأقوال المصبوغة بكل ألوان الكراهية، الأقوال التي يختار لها أصحابها المسار العصي على أدنى المبادرات التلطيفية التي يلجأ إليها العقلاء لزوم التماس الأعذار وفي الطريق تبريد حرارة ردود الأفعال وتخفيف أحمال غضب واشمئزاز الفئة أو الفئات المستهدفة بنيران فجور الخصومة.
من وقت إلى آخر يخرج من ينبش في نفايات المدونات والكتب المنشغلة في وقتها بعوامل التفرقة عبر ممرات وأزقة الخلافات المذهبية، قد يكون البعض في وقتنا الحالي مدفوعا بحالة نفسية أو مواقف شخصية تجره إلى الخلف. أو من الذين لا يميلون للسكينة العامة ولا يريدون لها أن تأخذ مكانها، المحتمل أن منهم من لا يرضون بغير همجية مسار الحياة العامة تحت وطأة اعتلالات شخصية مزمنة تعود إلى ارتباك التوازن النفسي، وبالتالي رؤية الأمور من زوايا معتمة لا تسمح بالصفاء. خلاف هذا ثمة فئة مكشوفة الوجه والقفا، أفلست من المنطق ودفع بها تصفيق الجهلة واصطفاف الرعاع إلى التنكر لفضل وجميل وطنهم وتبني مشروع قلة الحياء لمزاولة مهنة إشغال الناس بما يضر علاقاتهم المشتركة ويسهم في حدوث التباعد على أساس وضع كل طرف محل شك الطرف الآخر عقائديا، أو ضده في نهاية المطاف. من المؤسف أن مثل هذه الأصوات تجد من يسمعها ويستمتع بصديد قناعاتها.
حقيقة لم يعد تجييش المجتمع ضد نفسه محصورا في مكبرات الصوت المبحوحة، ولا أشرطة الكاسيت أو المجالس الفوضوية الخاصة ولا حتى الحلقات الدعوية التي تخالف أغراضها، لم يعد كثير من الأفكار الضارة محصورا في مطبوعة أو دورية من ذوات التأثير المحدود. المسألة الآن أكثر خطرا، اليوم الإعلام المفتوح يستقبل كل الإشارات دون فلترة ويرحلها بمختلف ألوانها ودلالاتها للرأي العام في كل مكان، ولعل من سوء طالع هذا الإعلام المفتوح رغم الكثير من فوائده في المجالات الإنسانية والعلمية.. أنه يستقبل بضائع الخبثاء والجبناء بما فيها من دسائس.
عموما الفتنة المذهبية بلاء تحتضنه الجماهير المنحنية، الناقصة وعياً وفكراً ولعل أكثر ما يميز هذه الجماهير خضوعها لثقافة القطيع وبروز الهازل والنطيح في المقدمة. هذا الوضع بما له وما عليه تحول إلى مطية يسوقها ويقودها ويركبها الاستغلاليون وأرباب الأحقاد لأهداف لا تخلو في الراهن من الدافع السياسي ولو من باب إحداث القلاقل وإشغال الدولة (أي دولة) علاوة على خلق الخصومة والفوضى بين شرائح المجتمع.
ختاما حينما يشتعل فتيل الفتنة المذهبية ويتمدد دخانها يتوسع بالتالي التأثير ويكبر الخطر ويبقى الحل الناجع في سقوط عود الثقاب وصاحبه عاجلا. وبكم يتجدد اللقاء.