الفن والمجتمع

لا شك أن الفن ـ بمختلف دروبه وأشكاله ـ له علاقة وثيقة بالمجتمع وحياة الناس، فهو يتغلغل في صميم حياتنا الاجتماعية وتشابكاتها المختلفة، فالفنان هو أحد أفراد المجتمع، يتفاعل معه ولا ينفصل عنه بأي حال من الأحوال، وهو يساهم في بث روح التضامن والتماسك بين أفراد المجتمع، من خلال التقاء شرائح اجتماعية عديدة على الاعجاب بعمل فنى ما، بحيث ينتقل هذا الاعجاب من مجرد الشعور الوجداني إلى المشاركة الاجتماعية، التي بدورها تساهم في تشكيل تجمعات ثقافية واجتماعية واقتصادية وربما سياسية، ويعمل على تدعيم الروابط بين أعضائها.
والفنان يبدأ نشاطه الفني في إطار منعزل عن الناس أولا، ثم يقترب به من المجتمع، فيتعرف على أبعاده، ويستشف مستقبله ورؤاه، فإذا استوعبه المجتمع صار هذا النشاط الفني جزءا من النسيج الاجتماعي، مما يجعل لمظلة الفن وظيفة تربوية يمكن من خلالها ترقية المشاعر والتسامي بالأحاسيس، وبعث روح الأمل والتفاؤل، بل وتجييش الشعور القومي بإلهاب حماس الجماهير بعمل فنى، يدفعها تأثرها به إلى النضال في سبيل الوطن وتحقيق أهدافه العليا.
بل إن الفن له وظيفة اجتماعية أوسع، فله دور بالغ الاهمية في التواصل الإنساني، فهو أداة مهمة للتفاهم العالمي بين سائر المجتمعات في العالم، وليس داخل نطاق الدولة الواحدة أو المجتمع الواحد فحسب، فالفن لا يعرف قيودا ثقافية أو حدودا جغرافية أو حواجز سياسية، فهو يخاطب الانسان والنزعة الانسانية فيه أينما كان، فمختلف الاثار الفنية من لوحات تشكيلية أو أعمال أدبية أو موسيقية أو تمثيلية، لا يقتصر الاعجاب بها على النطاق الجغرافي الضيق الذي انطلقت منه، بل أحيانا ما تتجاوزه لتخترق بتأثيرها مجتمعات أخرى بعيدة جغرافيا، لذا نجد تأثيرا لفنان ما قد يتجاوز حدود وطنه وإقليمه ليصل إلى العالم كله.
ويعبر عن هذا الكاتب (هنري مولر) "على أن أغوص في بركة الوحل لأعثر على لؤلؤة "، واللؤلؤة هنا كما يرى مولر هي بمثابة اكتشاف أهم الأسباب لظاهرة اجتماعية ما، فالفنان في النهاية هو ( ابن مجتمعه ).
.
وعلى الابن أن يكون بارا بأبيه !