توثيق أجياد يعيد الوصل بعد فراق السنوات

في ليلة عم فيها الفرح والبهجة، اجتمع أهالي أجياد كبارا وصغارا في إحدى القاعات بمكة المكرمة أمس الأول، لإعادة الوصل من جديد بعد فراق السنوات، في دعوة أطلقها 20 عضوا في فريق «أجياد زمان» وتهافت أكثر من 600 شخص ملبين نداء الوفاء وتجديد اللقاء مع من عرفوا من الجيران والصحب بين جنبات وحارات وأزقة أجياد من المستشفى حتى جبل خندمة.
ذرف الأحبة الدموع والتقوا بعضهم بعضا بالأحضان لكسر حواجز الفراق التي فصلت بينهم لانشغالات الحياة، وتقدم كبار السن ووجهاء وأعيان أجياد الحضور، وانبرى لتنظيم الحفل ذات الفريق يتقدمهم العميد محمد المنشاوي، والكابتن طيار كمال شقدار، وأعلنوا على الملأ أن هذا اللقاء يأتي ضمن سلسلة لقاءات أهالي أجياد التي سيتم تنظيمها ثلاث مرات في العام، إضافة إلى لقاءات الأعياد.

عمدة الـ40 عاما يحضر على كرسيه المتحرك


في مقدمة المستقبلين جلس شيخ طائفة العقار سابقا وعمدة أجياد لأكثر من 40 عاما طاهر بغدادي على كرسيه المتحرك، يستقبل الضيوف في مقر اللقاء الذي تم تنظيمه في منطقة الحسينية، وظل على مدى ساعتين في الاستقبال يسأل كل من قدم للسلام عليه، ولد مين؟ من بيت مين؟ فيسترجع بذاكرته قصصا ووقائع حدثت مع كل عائلة من عائلات أجياد، يقول بغدادي، لم نكن نفصح عن أخبار العوائل، وكانت الحمية السمة التي طغت على علاقاتنا بالآخرين من الجيران والأقارب، كل عائلة تسكن في أي حارة من حارة أجياد تمثل لكل فرد منا عائلته، يخاف عليها ويدافع عنها، كان الجميع متحابين، يساعد بعضهم بعضا في الشدائد، وكنا سويا نواري سوءة المسيء ولا ندع خلافا يصل إلى خارج إطار حينا، بل نبادر لحل أي خلاف، ونحرص على ردم الهوة بين المتخاصمين ليعودوا إلى سابق عهدهم من الوئام والحب، ويضيف «في هذا اللقاء عادت لي الروح من جديد بعد أن فارقت الأهل والأصحاب سنين طويلة، وما كنت أعتقد أنه يمكنني أن ألتقي بهذه الوجوه مرة أخرى».
في حين أكد الكابتن كمال شقدار أن اللقاءات بين أهالي أجياد بدأت بمبادرة من مجموعة من أبناء أجياد السد وكانت تتم ثلاث مرات في العام وتعقد كل مرة في مدينة مكة أو جدة أو الطائف ويحضرها بين 40 و80 شخصا، إلا أننا في هذه المرة أطلقنا الدعوة على وسائل التواصل الاجتماعي للقاء الجماعي لجميع من سكن أجياد وبالفعل تحقق الحلم بهذا الحضور، وظل العمل يسير بالجهود الفردية، إلا أننا بدأنا اليوم العمل المؤسسي وسيتم تشكيل مجلس إدارة لأهالي أجياد السد لتنظيم هذه اللقاءات بطريقة علمية.
وأضاف شقدار أنه سيتم إنشاء صندوق أجياد وفق الأنظمة، وسيتم اختيار أمناء الصندوق وتقنين آلية الاستحقاق لدعم العوائل الأجيادية السدية من الأرامل والأيتام والمحتاجين، من خلال دعم احتياجاتهم المعيشية، وترميم منازلهم «وسيتم البدء في تنفيذ النشاطات فيما يتعلق بالمعايدة، والحضور في زواجات أبناء وبنات أجياد، وتقديم العزاء بالمتوفين والقيام بواجب العزاء لأهل الميت على هدى الرسول صلى الله عليه وسلم».
وأعلن شقدار عن بدء فريق بتوثيق أجياد السد وتم إنجاز ما يربو على 75% من المشروع ولم يتبق سوى 3 مناطق ليكتمل المشروع الذي سيكون حقا مكتسبا لكل سكان أجياد، وبين أنه تمت الاستعانة بكبار السن ممن تجاوزوا الـ70 عاما لإتمام مشروع التوثيق.


"الصهبة" حاضرة


كان «للصهبة» حضور مميز في لقاء أهالي أجياد، والتي تعتبر أحد أشهر الفنون الغنائية الشعبية، والموروثات القديمة، حيث انتشرت قديما بشكل كبير في مكة المكرمة، وخاصة في حي أجياد، وهي مزيج من الموشحات الأندلسية والأنغام المصرية التي تعرف «بالسيكا»، والتي تم تطويرها في مكة المكرمة، ورتبت مقاماتها، وسميت بالصهبة.
وقال أحد أشهر مؤدي الصهبة العمدة محمد بن راجح إنها كانت تنظم قديما بشكل يومي، حيث يبدأ قائد الفرقة، والذي كان يطلق عليه «الحادي» بذكر بعض الأحاديث الإسلامية، والحديث عن أحوال الحارة وسكانها، ثم يبدأ بالموال الذي ينقسم إلى عدة نغمات، منها: الحجازي، والسيكا، وغيرها، ويبدأ الغناء بعدها.
وحرص العمدة راجح على إحياء تراث أجدادهم، والمحافظة على عراقتها، التي بدأت تندثر، خاصة مع ظهور العديد من ألوان الغناء الشعبي وبدء صرف النظر عن الألوان التراثية القديمة، مؤكدا جهده بحضور جميع المناسبات المكية، وتقديم هذا الفن، وتوريثه لأبنائهم، لاحتوائه.


الأطفال يرددون أهازيج الكبار


جمع الحفل الكرنفالي مختلف الأعمار وبرزت عادة أهالي مكة وحرصهم على التنشئة السليمة لأبنائهم في غرس العادات والتقاليد والخصال الطيبة فيهم، ليثبتوا أن العادات والتقاليد وراثة، أكثر من كونها أفعالا مكتسبة، حيث شكل حضور الأطفال نسبة كبيرة، وتقلدوا بلباس الآباء والأجداد وحضرت الغبانة بألوانها المختلفة تتوشح الرؤوس في مشهد يعكس مدى حب الأطفال وتعلقهم بالعادات الحجازية، التي تعلموها من آبائهم.
يرى عمدة حي الهجرة أحمد خياط، أن مثل هذه اللقاءات، تحتوي على كثير من اللحظات المشرقة، التي تزهو بلقاء الأحبة الذين فرقتهم معتركات الحياة، فيجددون اللقاء ببعضهم، ليثبتوا أن حبل المودة لا يهترئ بمرور السنين، وتمنى خياط أن تستمر مثل هذه اللقاءات الحيوية بشكل دوري، والتي تعيد للذاكرة لحظاتها الجميلة، وذكريات الطفولة الشيقة التي لا تنسى، مؤكدا أنه مهما تغيرت الوجوه وتبدلت الأحوال، يبقى في القلب حنين لأيام خلت، ويظل الشوق يزداد للأصدقاء والجيران إلى أن يلتقوا ويجددوا عهودا مضت.
فيما أكد مهندس الطيران خليل صوفي، أن إحياء العادات أمر مهم، وينبغي لنا جميعا ألا نغفل عن أهمية المحافظة عليه، ونقله للعصور المقبلة عبر الأجيال الصاعدة، خصوصا أن العديد منهم، أصبحوا يميلون لهذا النوع من الفن التراثي القديم والذي عرف عن عدة طرق، منها التسجيل الصوتي، وما تناقلته الأجيال.