سقوط رافعة الحرم المكي قضاء وقدر.. لنستفيق
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠١٥
قال الله تعالى في كتابه الكريم «وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مُصلى..» (البقرة الآية 125). فالمسجد الحرام يفد إليه المسلمون من كل حدب وصوب لعبادة الله الواحد القهار.. حيث جعله آمنا لما فيه من الآيات البينات؛ ففيه المقام والحجر حيث أمر الله نبيه إبراهيم ببناء الكعبة وتطهيرها من الشرك وعبادة الأوثان والأصنام. وجاء الإسلام لتستمر هذه الشعائر بالكيفية التي أرادها الله للمسلمين واستشعار معنى العبودية له، فالكعبة وهي المكان المتصل بالبيت المعمور في السماء يقوم العُبّاد بالطواف حولها كما تطوف الملائكة حول عرش الرحمن.. والسعي بين الصفا والمروة عمل السيدة هاجر للبحث عن ماء لابنها إسماعيل في ذلك الوادي الأقفر ليخرج لنا ماء طهورا وهو ماء زمزم، فالحمد لله على ما رزقنا ووهبنا.
ومع أنه أصابنا الحزن الشديد على ما حدث يوم الجمعة الموافق 27 ذي الحجة لعام 1436هـ، الساعة 5:10 عصرا بسقوط أكبر رافعة في الحرم المكي الشريف على المصلين، وتمزقت قلوبنا ألما على الموتى والجرحى الذين سقطوا جراء الحادث، ولكن عزاءنا بأن الموتى نحسبهم شهداء عند الله تعالى - ففي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «يبعث كل عبدٍ على ما مات عليه» وهؤلاء ماتوا وهم ما بين راكع وساجد ومصل وساع وطائف.. وفي آخر ساعة من يوم الجمعة.. فهنيئا لهم هذه الميتة الشريفة.. وهي إن شاء الله حسن خاتمة.
وأما الجرحى والمصابون فنسأل الله لهم الشفاء العاجل، فحكومة خادم الحرمين الشريفين في المملكة العربية السعودية تجعل كل الخدمات الطبية مجانا تحت تصرفهم هم وغيرهم من الحجاج وتنفق بسخاء لتوفير أرقى المعايير الطبية والخدمات الصحية ليؤدوا فريضة الحج بيسر وسهولة.. وها هو خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز- حفظه الله - وسمو ولي عهده الأمير محمد بن نايف وسمو ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وسمو أمير منطقة مكة المكرمة خالد الفيصل ينتقلون إلى موقع الحدث للاطمئنان على المصابين والتوجيه بإعادة الأوضاع لتوفير أقصى الإمكانات لحجاج بيت الله الحرام ليؤدوا مناسكهم. وها هم أهالي مكة المكرمة يتسابقون للتبرع بالدم.. في بادرة إنسانية تدل على البذل والعطاء لضيوف الرحمن بالغالي والنفيس.
ولكن لنتريث قليلا ونهدأ.. فما حدث يوم الجمعة صحيح أنه لم يكن حدثا عاديا ولكن مجتمعنا للأسف أصبح مجتمعا (نماما) بكل ما تعنيه الكلمة.. وقد ساعدت الأجهزة الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي على بث الغيبة والنميمة والطعن في الناس.. والتشكيك في خدمة الحرمين الشريفين من الأعداء - فبدؤوا في توجيه أصابع الاتهام للمسؤول عن الرافعة وأن هناك تقصيرا واستهتارا بحياة الناس وما إلى ذلك من كلمات، ممن نصبوا أنفسهم محللين ومحققين ومنظرين دون التثبت من الحقائق.. والتي ظهرت فيما بعد في تقارير متنوعة منها تقرير CNN أن رياحا شديدة ضربت منطقة الحرم المكي وانخفضت درجة الحرارة 20 درجة مئوية في خلال ساعتين.. مما سبب تحرك الرافعة وانزلاقها في وسط التربة ومن ثم سقوطها..وقد شاهدنا مقاطع فيديو لشدة الرياح والتي كانت أشبه بإعصار حيث كانت تجرف كل شيء أمامها وحتى الناس الذين استلقوا على الأرض حماية لأنفسهم..
ولكن دعونا الآن نهدأ أكثر ونجلس لنتفكر في خلق الله.. الذي جعل (الريح ) جندا من جنوده يعاقب بها العصاة من خلقه وكم من أقوام عذبهم بالريح.. وهي ربما اليوم نذير لنا على سلوكياتنا وأخلاقنا وتعاملاتنا التي ابتعدنا فيها عن تعاليم الدين القويم فليس محافظتنا على العبادات وحدها من صلاة وصوم وحج.. هي ما تقوم عليه الشريعة الإسلامية - فقط- وإنما العقيدة الصحيحة والتعاملات والسلوكيات والأخلاقيات هي أساس الدين أيضا؛ وكم هناك من عصاة بيننا في هذا الجانب: فقطع للأرحام، وعقوق للوالدين، وأكل لأموال الناس بالباطل ونهب للملايين في وضح النهار، والزنى، وترويج المخدرات والمسكرات، والنساء الكاسيات العاريات والمتبرجات بالأسواق والمستشفيات وفي الإعلام.. وبكامل زينتهن.. وأنصاف رجال انعدمت الغيرة من نفوسهم فهم الديوث الذي لا يغار على أنثاه ولا يعرف مسؤوليته على محارمه.. وغيرها كثير من مظاهر الفساد التي هي مبارزة لله بالمعاصي.. وهذه الريح إنذار لنا لنستفيق ونعود إلى الله قبل أن يلحق بنا غضبه وسخطه علينا.
ويا ليتنا نضيف لبرنامج :(الحج عبادة وسلوك حضاري) - الذي يقوم عليه صاحب السمو الملكي مستشار خادم الحرمين الشريفين أمير منطقة مكة المكرمة خالد الفيصل، والذي حقق نجاحات باهرة خلال أعوام من تطبيقه في تأصيل سلوكيات وأخلاق إسلامية خاصة بمكة والحج- شعارا آخر : (الإسلام عقيدة وعبادات وسلوك حضاري)، ويطبق خلال العام كله حتى نرتقي بديننا وأخلاقياتنا الإسلامية إلى ما يحبه الله ويرضاه.
عزاؤنا الكبير نقدمه لحكومتنا الرشيدة ولمكاتب الخدمة الميدانية في مؤسسات الطوافة الذين فقدوا حجاجهم..وللأمة الإسلامية كافة بأن يرحم الله الموتي ويجعلهم في جنات النعيم.. وأن يشفي الجرحى ويجعل حجهم مبرورا وسعيهم مشكورا وذنبهم مغفورا.