سقوط رافعة القيم
الثلاثاء، ١٥ سبتمبر ٢٠١٥
لكم أحزننا ما حدث في الحرم المكي الشريف يوم الجمعة الدامي، والذي فقدنا فيه أرواحا زكية من ضيوفنا وضيوف الرحمن، حول كعبته المشرفة.
ومن المفترض أن يكون ذلك شعور كل إنسان سمع أو شاهد بعينه ذلك الحدث الجسيم، والذي أزهقت فيه الأرواح، مثلما يجب أن نتعاطف ونحزن نحن المسلمون على ضحايا أي حدث عالمي كوني مهما كانت ألوان الضحايا أو أعراقهم، أو لغاتهم أو أديانهم.
وقوع الأحداث أيا كانت بشاعتها لأي مخلوق، وفي أي مكان أو زمان يحدث بقدرة الله سبحانه وتعالى، ولا يكون لنا يد في منعها، ولو أن الوقاية تعمل عمل: اعقلها وتوكل.
ونعود لبعض العقول، التي تبدع في شذوذ الأفكار أثناء محاولتها جعل تلك الحوادث، وكأنها مترتبة على أمور دنيوية أخرى، فتكون التفسيرات للحدث عجيبة غريبة مؤدية لسقوط روافع القيم والفهم.
الظروف الجوية كانت غاية في الشدة والاختلاف، والحالة النشطة للعمل في الحرم المكي تعتبر في أوج نشاطها ودقتها، وعدم وجود الجبال القديمة المحيطة بالحرم سهل من تكوين الدوامات، خصوصا مع وجود الأبراج العالية، التي تزيد من حلزونية الرياح، وتجعلها أكثر سرعة، وقدرة على التدمير.
كل شيء يمكن أن يفسر علميا، ولا مجال للتكهنات العجيبة الغريبة، فهذا الحدث كان من الممكن أن يكون في أي مكان شبيه آخر، وبنفس درجات التدمير، ولو أن مفهوم بعض الناس يختلف، ويبحث عن شذوذ الفكرة.
عندما يحصل تسونامي في اليابان أو أمريكا كانت بعض الآراء تدعي أن ذلك بذنوبهم العظيمة.
ولو فرضنا أن ذلك يحدث في معابد هندوسية، أو بوذية، فستفسر حينها بأن ذلك غضب إلهي، ولو كان زلزالا في معابد يهود، أو مسيحيين، أو أي ديانة أخرى فسيتم التفسير بالسوء، الذي عمله البشر، ليقوم الإله جلت قدرته بتوجيه غضبه وتدميره لهم.
ولكن هنا يختلف الموضوع، فيأتي نفس الأشخاص للتبرير والتفسير، وجعل الأمر يحدث وكأنه مجرد حدث دنيوي طبيعي، لم يتدخل فيه الله!، لأن المكان حرم شريف، ولأن الضحايا مسلمون!.
التفسيرات كانت غريبة مستنكرة، فالبعض فسرها بسجود رافعة، والبعض فرح بما حدث للضحايا، بدلالة المكان والزمان؛ بينما لو علموا جميعا بالحادث قبل وقوعه لما بقي منهم أحد في مكانه متعمدا.
غريب أن يكون منطقنا معوجا، وألا نتمكن من معرفة أن قدرة الله تحدث للمسلمين، مثلما تحدث لشتى أصناف الخلق.
وقمة الجنون أن نجد منا من يتشفى من البشر المختلفين عنا، عندما تحدث عندهم مثل تلك الأحداث الكونية، والتي تفوق قدرة الإنسان على الهروب منها.
وتقترب المسافات وتضمحل، ويزيد سقوط روافع القيم، فعندما حدثت أحداث سيول جدة قبل عدة سنوات، فسرها البعض بأنها من كثرة ذنوبهم، في حكايات يشد لها الشعر عجبا، ويحضر السؤال: ألا يوجد بين أهل جدة عابد مخلص، يرحم الله البلاد لأجله؟.
الأمر يحتاج لقيم إنسانية، لا شماتة فيها، ولا تشفي، ولا تزكية للنفس، فلله سبحانه وتعالى حكمته في وقوع الحوادث لمن يشاء، ولا يجب علينا أن ننساق وراء الخروق الفكرية، التي تجعل العالم بأسره يضحك على عنصريتنا، حتى في التعرض للقدر خيره وشره.