مكة تزداد جمالا بالحجيج

بدأت شوارع مكة المكرمة وطرقاتها تزدان بلوحات ترحيبية وأخرى إرشادية وثالثة توعوية، تحمل في مضمونها ترحيبا بضيوف الرحمن وأخرى تدعوهم للالتزام بالإرشادات الصحية والبعد عن أشعة الشمس وغيرها من الدعوات والبرامج الخدمية لتمكينهم من أداء فريضة حجهم بيسر وسهولة.
ومكة المكرمة الاسم الساحر الذي يعطر اللسان كلما ذكرت، تهفو إليها قلوب المسلمين وحيدة دون سواها، فمن أرضها الطاهرة شعت رسالة الحق وانبعث خاتم الرسل والأنبياء محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم ولها من الأسماء ما لا يحصى ومن الأدوار ما لا يعد منذ أن برزت قبل أكثر من 2000 عام قبل الميلاد ـ كما يقول المؤرخون ـ كقرية صغيرة في واد غير ذي زرع محاطة بالجبال من جوانبها الأربعة بعد أن ترك الخليل إبراهيم عليه السلام زوجه هاجر وابنه إسماعيل بواديها الجاف، يوم لم يكن بمكة أنيس أو جليس، قال تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ).
فاستجاب الحق تبارك وتعالى لدعوة خليله إبراهيم عليه السلام، وها هي مكة المكرمة تشهد في كل عام توافد الملايين من المعتمرين والحجاج طوال العام وفي موسم الحج.
وقد عُرفت مكة عبر العصور المختلفة بكثير من الأسماء ووصفت بالعديد من الصفات فسميت مكة في أكثر من موضع في القرآن ففي سورة الفتح قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾.
وسميت بأم القرى أيضا وهو ما ورد في قول الحق تبارك وتعالى في سورة الأنعام: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، كما سميت البلد الأمين قال تعالى في سورة التين: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ).
وإن كان الأمر في مكة لم يبق لجرهم فإنه لم يبق لخزاعة أيضا، إذ انتقل إلى قريش التي أمرها «قصي بن كلاب» الجد الرابع للرسول صلى الله عليه وسلم وقام ببناء دار الندوة التي كان رجالات قريش يجتمعون فيها، ويعد قصي بن كلاب أول من وضع تنظيمات الحج وخدمات الحجاج، إذ عمد قبل وفاته إلى تقسيم أمور الحرم على أولاده الأربعة، فكانت «سقاية البيت والرفادة والقيادة من نصيب ولده «عبد مناف بن قصي»، وبعد وفاته تولى قيادة قريش ابنه «هاشم بن عبد مناف»، وبعد وفاته تولى القيادة وسقاية الحرم «عبد المطلب بن هاشم» وفي عهده قام «أبرهة» ملك اليمن ببناء كنيسة القليس ليجعل الناس يحجون إليها بدلا من حجهم للكعبة المشرفة.
وحينما لم يجد إقبالا على كنيسته خرج بجيشه ليدمر الكعبة، ويجبر العرب على الحج إلى كنيسته، فامتطى الفيلة التي رفضت التقدم نحو الكعبة، وحينما وصل إلى مكة أرسل الله طيورا أبابيل تحمل معها حجارة من سجيل فدمرت أبرهة وجيشه وسُمي ذلك العام بعام الفيل، وهو العام الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.