فلنذرف الدمع سخيا على العالم العربي

الصور الفوتوجرافية التي تعج بها الصحف الأوروبية والأمريكية هذه الأيام هي جثث الضحايا التي قذف بها البحر على الشاطئ. وتعود هذه الجثث للبائسين العرب خاصة السوريين الذين يهربون من جحيم الحرب في بلادهم المنكوبة. وقد وصلت هذه المأساة المؤلمة إلى حدود أوروبا بينما هي في الواقع مأساتنا نحن في العالم العربي.
ولا أخجل حين أقول إن دموعي انسابت غزيرة رغما عني عندما شاهدت جثة الطفل السوري التي قذفتها الأمواج على الشواطئ التركية بعد أن انقلب مركبهم في رحلة هروبهم المأساوية نحو النجاة، والحرية والعيش الكريم رغم مرارة الغربة.
وقد كان حريا أن تهز هذه الصورة المؤلمة كل أركان العالم العربي وبخاصة النظام السوري الذي أجبرت آلته الحربية وبراميله المتفجرة المواطنين السوريين الأبرياء على النزوح من مناطقهم والبحث عن الأمان في ديار لم تكن تخطر لهم على بال.
وكان حريا أيضا أن تؤثر هذه الصورة في قلوب آلاف التكفيريين وأدعياء الجهاد الذين تدفقوا على سوريا بحثا عن الحور العين إن كانت لهم قلوب.
ولعلي لا آتي بشيء جديد حين أقول إن عالمنا العربي مشلول تماما وغير قادر على الحركة أو التفاعل وأصبح محصنا ضد المآسي والكوارث. وأنا هنا بالطبع لا أقصد الشعوب العربية العظيمة وإنما بعض حكامهم الذين ماتت مشاعرهم وانغلقت قلوبهم.
وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من 2.500 شخص قضوا وهم يحاولون الوصول إلى الشواطئ الأوروبية.
وإذا كان السفر بالبحر خطيرا، فإن السفر بالبر لا يقل خطورة، فكم من الناس فقدوا حياتهم عطشا في الصحراء أو قتلتهم عصابات النهب المسلح التي تتربص بالمسافرين برا رغم بؤس حالهم.
وهؤلاء الناس البؤساء الذين يحاولون الهروب من بلادهم برا أو بحرا يغامرون بأعز ما يملكون وهي حياتهم.
وبعض الذين أسعدهم الحظ ووصلوا إلى الحدود الأوروبية قابلتهم السلطات هناك بالكثير من الامتعاض، واللا مبالاة بل وبالكراهية والاحتقار والعداء السافر.
وأغلقت المجر حدودها في وجه العابرين المتوجهين إلى النمسا أو ألمانيا، أما جمهورية التشيك فقد قامت بإحصائهم ودفعت بهم بعيدا نحو المجهول.
وجمهورية التشيك معروفة بعدائها للعرب ولقضاياهم العادلة وآمالهم وطموحاتهم فهي كانت ضمن تسع دول صوتت في الأمم المتحدة ضد عضوية فلسطين والعناصر اليمينية المتطرفة في هذه البلاد، التي تدعي صداقتنا والتي يتدفق عليها السياح العرب كل صيف، لم يظهروا أي رحمة أو تعاطف مع اللاجئين السوريين الذين كانوا يأملون أن تسمح لهم بالبقاء أو على الأقل تسهل انتقالهم إلى دول أخرى.
وقد عقدت الدول الأوروبية اجتماعات طارئة لمناقشة تدفق طالبي اللجوء إليها.
وفي هذا الشأن سألني مراسل تلفزيون الــ بي.بي.سي لماذا لا تقبل دول الخليج العربية هؤلاء اللاجئين؟
قلت له إن الأردن ولبنان وحدهما يستضيفان نحو أربعة ملايين لاجئ سوري رغم أحوالهما الاقتصادية الصعبة، كما تستضيف تركيا الآلاف منهم، أما بالنسبة لدول الخليج العربية فإن الاختلاف الجغرافي يمنعهم من عبور هذه الأراضي! علما أن السعودية تستضيف ما يزيد على 500 ألف سوري كمقيمين منذ اندلاع الأزمة في 15 مارس 2011.
وهذا لا يعفي العالم العربي من المسؤولية والملامة فأنظمته الديكتاتورية وقبضته الحديدية هي التي تسببت في هذا الوضع المأساوي.
ونحن فقط نتفرج على هذه المأساة ذات الأبعاد الملحمية وهي تنداح يوميا بسبب ضعفنا وقلة حيلتنا، وكل الذي نقدر عليه هو انتقاد الدول الأوروبية على غلق حدودها أمام اللاجئين السوريين وكأننا أبرياء من محنتهم وعذابهم.
ونحن لا نتوانى عن تقريع الدول الأوروبية واتهامها بأنها لم ترتفع إلى مستوى المسؤولية وتساهم في حل هذه المشكلة الإنسانية التي هي من صنعنا وحدنا.
ولم يعد عجزنا وضعفنا وقلة حيلتنا تثير استغراب العالم، فهذا وضعنا أمس، واليوم وربما غدا أيضا.
وفي غضون ذلك تظل أمواج البحار تجرف أجساد السوريين البؤساء نحو الشواطئ بينما نحن فقط نشاهد الصور ونتألم.
ولعل أبلغ تصوير لهذه الحال المزرية هو ما قاله لاجئ سوري متوسط العمر تم إنقاذه من البحر، فعندما هنأه منتشلوه على سلامته وعلى أنه لا يزال حيا، قال وبمنتهى السخرية والألم: أنا حي فقط لأنني لم أمت.