عزف سوري على مقام كنفاني

في عام 1963م، أصدر غسان كنفاني، روايته الأولى: (رجال في الشمس)، وقد نضجت حينها آلام الشعب الفلسطيني بعد نكبة 48، وكابد الفلسطينيون ما يزيد عن طاقتهم من قهر الاحتلال، ووجع الخذلان، وذل الاغتراب، ومن ذلك المشهد الأليم أخذ كنفاني طرفاً لينسج روايته، وهي المدونة السردية الأولى، التي تتضمن أحداثها عذابات العرب الفلسطينيين في الشتات.
ثلاثة فلسطينيين يقضون اختناقاً في شاحنة فارغة (خزان ماء)، وهم في الطريق من البصرة إلى الكويت، حيث مُتجه
أحلامهم في الحياة وجمع المال، والتخفف من تبعات الاحتلال وقسوته، فذابت الأحلام وتبددت الحياة اختناقاً في شاحنة (أبي الخيزران)، لم يطرأ على بال كنفاني لحظة أن رمزية الحدث الجارحة، ستكون حقيقة يوما ما.. وسيقضي سبعون عربياً سورياً اختناقاً في شاحنة مبردة لنقل اللحوم في عاصمة أوروبية، وكانوا يبحثون عن الحياة..! تضيق المسافة كثيراً بين الحدثين: الروائي والواقعي. وتضيق أكثر بين زمنين: سبعينيات القرن الميلادي العشرين، وعشرينيات القرن الذي بعده. وتضيق كذلك بين: الأمكنة الطاردة، وبين الأمكنة الحلم المبتغاة. وحده الإنسان العربي هو ما يمثل وحدة الحدث، وهو موضوع الهزيمة وذاتها؛ التي تتجلى موتاً قسرياً، كان الطريق إليه حلماً قسرياً في الحياة، حيث لا طريق غيره، وقد ولى الجميع هرباً من فجائع الموت المفاجئ، بكل جبروته وتراجيديته، وعنفوانه الأنكى.
لم يكن غسان كنفاني، يعلم أن ثمة تنويعات على مقام الموت، سيعزفها التاريخ، وتكتبها الأحداث على أرواح آلاف من قومه، إيقاعات من فرط هولها تصبح أبلغ بياناً وأغزر دلالة من روايته الأولى، امتداد في الفضاءات، وتنوع في الأحداث، وثراء في الصور، وآفاق للمآزق والأهوال الأليمة، والمفاجآت المحبطة، وتجليات لهزيمة الضمير، وهزيمة الموقف، وضآلة قيمة الإنسان.
ترى لو قُدر لغسان كنفاني، أن يكون بيننا اليوم، ليرى كيف صدقت نبوءة خياله الفني، وتجاوزت تخوم نصه الروائي وعوالمه، وتفجرت تنويعات أخرى لقصص اللاجئين، حيث تضاعفت أعداد الموتى اختناقاً في خزان جديد للموت، وتعددت نماذج الهاربين من جبروته، ومن قسوة المنافي، وذل الاغتراب.
ولكن غسان لم يكتب الواقع بل دوَّن الخيال، وترسَّم آفاقه برؤية فنان، كان قادراً على وخزنا بلذة الألم، ورشَّنا برذاذ المفاجأة الفاجعة.
هيأنا غسان كنفاني لاستقبال صورة الموت الحقيقي اختناقاً، داخل شاحنة مثلجة، لنقل لحوم الحيوانات، والموت غرقاً في بحر لجي، أو قهراً خلف الأسلاك الشائكة، التي يصبح اختراقها منجاة للاجئين من لعنة الطرد والشتات، وعقوق الوطن.
لو قدِّر لغسان أن يكون بيننا اليوم، لكان مجال خياله أوسع، ومعطياته أغزر، وتمثلات الذل والقهر والحسرة أخصب، وأقرب منالاً لقلمه لكي يختار منها ما يشاء.
ولكن غسان ليس بيننا اليوم..! ولم تعد الرواية هي وسيلتنا الوحيدة؛ للإطلالة على عوالم موت كالذي خطَّه غسان. ولم يعد الخيال هو النافذة التي نطلّ منها على مشاهد موت مأساوي كريه الملامح، شرس التفاصيل.
قنوات العرب الفضائية، هي الوسيلة الجديدة التي تجاوزت بنا كلمات غسان، وتفاصيل حكايات رجال ونساء وأطفال في الشمس..! وفي وحل السياسات وحساباتها القذرة، ونفوذ القوى وصراعها القبيح.
قنوات العرب الفضائية من المهارة والجسارة بمكان، بحيث تضع أبصارنا فجأة في حمأة مقاصل اللاجئين السوريين، أبصارنا فقط، تتابع رواية الواقع عبر تلفزيونات الواقع، في وحل الواقع. لأولئك الذين يدوزن العالم لحنه الصدئ؛ على إيقاعات أنينهم وصراخهم، وخطاهم المتعبة، وأرواحهم المنهكة، وإنسانيتهم المذبوحة بين المنافي والحدود، ولون سحجاتهم الدامية، كلما تسلل أحدهم عبر أسلاك شائكة، توهمه بإحساس موقت بالخلاص. يدنيه من الحلم بالحياة، وإن بلا كرامة، فقد صادر كرامتهم جلاد الوطن وقائده المبجل. ولم يشفع لهم حتى تاريخ بلادهم، عند بني قومهم؛ بأن يؤوهم، أو يكفلوهم ساعة محنة.
تاريخ بلادهم يقول،إنهم آووا في بيوتهم في حلب وحمص ودمشق، من منتصف القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين، الشركس والأرمن، والفلسطينيين، واللبنانيين، والعراقيين. فإذا ببلاد العرب- ووطنهم قبلها- تضيق بهم، وتقذهم خلف الحدود، إلى مشاهد موت مثلج، سافر قاهر أجاج.