عاصفة الحزم.. والتملق الزائف

نثق بسياسة حكومتنا، بل ونفخر بهم، فما يدور حولنا من أحداث الدول المجاورة يجعلنا نحمد الله ونشكره كل يوم ألف مرة.
فبين دول يسعى رؤساؤها للتضحية بالأطفال والنساء والعجزة، للبقاء على كرسي الحكم أطول مدة ممكنة، تنفق حكومتنا الغالي والنفيس، للحفاظ علينا من كيد الكائدين.
إلا أننا حين نتابع مجريات الأحداث، نقرأ مبالغات في حب الوطن والتضحية من أجله، فكلنا حب بلادنا مغروس في أعماقنا، وإن كانت أرواحنا تذهب لباريها من أجله، فهذا فخر في بلد يسعى صادقا وجاهدا للحفاظ علينا.
لكن هذا لا يعني أن تسقط قذيفة فوق منزلي، ويتم نقلي أو أحد أبنائي إلى المشفى، وكل ما أصرح به هو "كلنا فداء للوطن".
أنا من سكان مدينة نجران، وعشت الخوف والرعب الذي عايشه كثير من المواطنين هناك، إنك ـ باختصار ـ تشعر بالموت بجوارك أو فوق رأسك دون أن تموت.
إننا بشر، ولا يمكن بحال من الأحوال أن ننسلخ من طبيعتنا البشرية، من أجل دين أو وطن أو عشق.
نعم كلنا فداء للوطن ـ نقولها صادقين ـ لكن حين استمع لصوت القذائف، فإن الخوف يملؤني ؛ وأول كلمة أقولها للتعبير عما أشعر به هو الخوف، ثم أدعو على المعتدين، وثالثا أقول كلنا فداء للوطن! هذا هو الشعور الطبيعي، ولا يمكن للأكاذيب أن تجعلنا نصدق،أنه لا يوجد مشاعر تحت وطأة هذه الظروف سوى حب الوطن.
إن المبالغات تجعلك تشعر بشيء خفي، ولكن ـ في رأيي ـ قول الحقيقة يجعل حب الوطن يتعمق في دواخلنا أكثر بكثير.
والحقيقة التي نؤمن بها أن حب وطننا فطري فهو جزء منا ونحن جزء منه، أما حكومتنا فنصدق في حبهم لأنهم صادقون في حبنا، فلسنا بحاجة لترديد مدى حبنا لوطننا وحكومتنا، بشكل يسلخنا من طبائعنا البشرية ويحولنا لمسخ لا يتقن سوى الكذب والتملق.
وبما أن الشيء بالشيء يذكر؛ أود الحديث عمن جزعت نفسه بمجرد سقوط عدة قذائف على نجران أو غيرها.
لا أعلم متى نضع المثاليات خلف ظهورنا، ونؤمن أنه لا يوجد شيء مثالي، حتى في عهده صلى الله عليه كانت هناك تضحيات كثيرة لتحقيق الانتصارات.
كفاكم تثبيطا للهمم؛ إن الفكر الذي يحصر نفسه بالإيجابيات هو تفكير قاصر ولا يفقه في بعد النظر شيء، وما أقحم حكومتنا في هذه العاصفة؛ إلا إعصار شره مستطير يرغب في اقتلاع الأخضر واليابس، إن لم يتم إيقافه قبل خروجه عن السيطرة.