زمن التقشف.. فرصة للتمعن
الأربعاء، ٩ سبتمبر ٢٠١٥
يعيش المهتمون بشؤون الاقتصاد حالة من الترقب والتوجس على وضع الاقتصاد الريعي في دول الخليج بعد انخفاض أسعار النفط، لا سيما وأنه مصدر الدخل الوحيد للدولة.
الموضوع وإن كان يدعو بمجمله إلى التشاؤم إلا أن هناك بعدا قد يدعو للتفاؤل وسط هذا الكم الكبير من القلق.
لأنني وببساطة مؤمن أننا لا نستطيع تحويل الاقتصاد من حالته الريعية إلى اقتصاد حقيقي دون وجود صدمة أو هزة اقتصادية تحتم علينا النظر في وضع الاقتصاد بحالته الراهنة.
لن يكون هناك دافع ذاتي للتغيير طالما هناك وفرة مالية بفعل ارتفاع أسعار النفط.
هذه السكرة الطويلة تشبه سكرة أصحاب مناجم الفحم في أواخر القرن الثامن عشر الذين بقوا يتصارعون على مناطق النفوذ ومناجم الفحم حتى اكتسحهم النفط وهم في حالة ذهول.
لا تكمن خطورة الاقتصاد الريعي بحسب تحكم العوامل الخارجية في مصدر الدخل الوحيد وحسب بل في فرض نظرة نمطية للإنسان ودوره في التنمية.
إذ مهما وصل الإنسان إلى مستويات عالية من الكفاءة والمهارة لن يكون له دور حقيقي في التنمية ولن يكون عنصرا فاعلا في منظومة الاقتصاد.
حتى الجهاز الإداري والذي من المفترض أن يكون جهازا رشيقا لإدارة الإنسان والمورد معا، تضخم بفعل الاقتصاد الريعي وحالت بيروقراطيته دون إتقان إدارة الموارد أو تنفيذ برامج التنمية على أرض الواقع.
فمع تضخم الجهاز الإداري وبقاء أنظمة الصرف والإنفاق والمناقصات كما هي ارتفعت فاتورة هدر المال العام طرديا مع ارتفاع مخصصات الإنفاق في القطاع العام.
وكل من يؤرخ لفترة ارتفاع النفط في العقد الأخير يلحظ التفاوت الكبير بين الأرقام المخصصة للتنمية وما تم إنجازه على أرض الواقع.
ولعل أولى بركات انخفاض النفط التحول الطارئ على بنية الاقتصاد من خلال مشروع القرار الذي ينص على السماح للشركات الأجنبية بالتجارة بشكل مباشر في السوق السعودية، فهذا القرار بالتأكيد ستكون له أصداء وتبعات على الداخل السعودي ليس في مجال توفر المنتجات أو أسعارها وحسب بل سيحدث تغييرا ملحوظا في البنية الإدارية للاستثمار وسيفرض حزمة من القوانين والأنظمة الجديدة المتعلقة بالاحتكار والمنافسة والتوظيف وغيرها، وهناك ربما الكثير والكثير في هذا السياق.
باختصار الفترة هذه مفيدة جدا للتمعن في بنية الاقتصاد وخلق تصورات بديلة أكثر ديمومة واستقرارا، فالوقت لا يزال مبكرا للحديث حول وجود طاقة بديلة منافسة كالنفط الصخري وغيره.